إنَّ العَسِيرَ بها داءٌ مُخامِرُها ... فَشَطْرَها نَظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ [1]
يعني بقوله: شطرها، نحوها. وكما قال الراجز:
تَعْدُو بنا شَطْرَ جَمْعٍ وهيَ عَاقِدَةٌ ... قد كاربَ العَقْدُ من إيفادها الحَقَبا [2]
وقال الشاعر أيضًا:
ألا من مبلغ عنا رسولًا ... وما تغني الرسالة شطر عمرو [3]
أي: نحوه. وتقول العرب: هؤلاء القوم يشاطروننا، إذا كانت بيوتهم تقابل بيوتهم، وقال على شطره قبله.
ومن هنا نشأ اختلاف العلماء في المسألة؛ فذهب الحنفية والحنابلة والشافعي في أحد قوليه: إلى أن المصلي إن كان معاينًا للكعبة، ففرضه الصلاة إلى عينها، وهذا مما لا خلاف فيه؛ حتى قال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل البغدادي من الحنابلة: إن خرج بعضه عن مسامتة الكعبة لم تصح صلاته، وإن كان بعيدًا عنها، ففرضه التوجه إلى الجهة، واستدل مالك في"الموطأ": على أن الفرض للبعيد الجهة، بما رواه عن نافع، أن ابن عمر قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا تُوجّه قِبَلَ البيت، وروي هذا عن عثمان وعلي وابن عباس، وما رواه مالك موقوفًا، رواه ابن ماجه عن أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما بين المشرق والمغرب قبلة"، ورواه الترمذي وصححه. وقال ابن عبد البر: إنما تضيق القبلة على أهل المسجد الحرام، وهي لأهل مكة أوسع، ثم لأهل الحرم أوسع ثم لأهل الآفاق أوسع. انتهى [4] .
وبنوا على هذا أنه إن انحرف عن القبلة يسيرًا لم يُعد، ولكن يتحرى الوسط، وقال الشافعي في الرواية الثانية: الفرض إصابة العين.
وأجاب الأولون بأن الحديث:"ما بين المشرق والمغرب قبلة"، وبأنه لو
(1) هو في"لسان العرب"2/ 315.
(2) هو في"مجاز القرآن"لأبي عبيدة ص 60.
(3) هو من شواهد"البحر".
(4) هو في"إرواء الغليل"291.