الصفحة 12 من 212

كلا اليهود والمسلمين لتغيرات جذرية، ظلت عبارة «يهودي - اسلامي» مماثلة في مغزاها وصحتها، على الأقل، لعبارة «يهودي - مسيحيه من حيث ما تضمنته في تعبيرها عن التوازي والتشابه في حقل التراث الثقافي.

وضمن حدود معرفتي الذاتية، فإن عبارة «يهودي - اسلامي» لم تستخدم إلا من قبل الباحثين الغربيين ولم يتقيد بها قط أي من اليهود أو المسلمين في البلدان الاسلامية، إذ لم يكن أي واحد من الطرفين ينظر إلى العلاقة فيما بينهما على ضوء هذه العبارة، وهي في هذه الأيام عبارة ذات مدلول تاريخي محصن، من منطلق أن «التراث اليهودي - الاسلامي» لم يعد قائمة كقوة حية. فلقد دمر هذا التراث، وحكم على الذين كانوا يتمسكون به بالتهجير إلى اسرائيل أو الهجرة إليها حيث التقى الفرعان الكبيران من الشعب اليهودي - يهود البلدان المسيحية ويهود البلدان الاسلامية - التقيا لأول مرة منذ قرون، وبذلا الجهد من أجل خلق كيان جديد يقوم على يهوديتهما المشتركة، وهم بلقائهما هذا يكرران ولو بشكل مصغر - صدام الحضارتين اللتين أتي الفرعان منهما. أما وحدة الهدف لديهما فلم يكن من اليسير تحقيقها، ومحاولة التوحيد هذه ستقرر جزئية، وستحسم في الجزء الآخر، من خلال الجهد المتوازي - وهو حتى الآن نو جنوى قليلة - لخلق علاقة تعايش جديدة وتفاوتية فيما بين اسرائيل والعالم الاسلامي المحيط بها.

لقد حاولت من خلال الصفحات اللاحقة استطلاع أسس التراث اليهودي - الاسلامي، ثم انتعاش هذا التراث أو ازدهاره، ومن ثم نهايته. كما حاولت بسط هذه الحالات على الأرضية التاريخية لكلا اليهود والمسلمين، ففي معظم الأوقات، وفي أكثر الأماكن، كان يهود البلدان المسيحية هم الأقلية غير المسيحية الوحيدة. وفيما عدا ذلك فإن أهل هذه البلدان كلهم مسيحيون. وعلى النقيض من ذلك، كان اليهود في ظل الحكم الاسلامي يشكلون بصورة عامة واحدة من الأقليات الدينية المتعددة، ولم يكونوا عمومأ هم الأقلية الأهم، وكان موقف الاسلام من اليهودية، وبالتالي موقف المسلمين من اليهود، وهو على ما كان عليه، كان يمثل مظهرا واحدا من مسألة أعم وأكثر تعقيدة. وعلى هذا الأساس، فإن الفصل الأول من هذا الكتاب مكرس لتقويم عام للعلاقات فيما بين الاسلام والديانات الأخرى من حيث بعديها اللاهوتي والتشريعي، ومن حيث مفهوميها النظري والعملي. ويتناول الفصل الثاني بداية تشكل «التراث اليهودي -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت