وثمة مثال آخر صارخ، وبشكل أشد، حدث أيام الغزوات المغولية، حيث كان الصليبيون قد نجحوا لتوهم في إقامة بعض الدويلات الصغيرة على طول المنطقة الساحلية السورية الفلسطينية. وكان المغول قد استولوا وهيمنوا على قلب الأراضي الإسلامية ودمروا الخلافة، مقيمين بذلك سيادة مفولية على مراكز اسلامية رئيسة، وذلك لأول مرة منذ أيام النبي محمد. ووجد الحكام المغول أن اليهود والنصارى - وهم أناس محليون يعرفون البلدان واللغات المحلية، ولكنهم هم أنفسهم غير مسلمين - وجدوا أنهم أدوات مفيدة، وعينوا بعضهم في مناصب رفيعة. وفيما بعد، حينما تحول المغول إلى الاسلام، وأصبحوا جزء من العالم الاسلامي، واتخذوا التوجهات الاسلامية، آنذاك ترتب على اليهود والنصارى أن يدفعوا مجددا ثمن تعاونهم السابق مع الغزاة الوثنيين.
وشة مثال أخر أحدث ومواز في العديد من الأشكال تجسد في دور الامبراطوريات الأوروبية في البلدان الاسلامية، وهنا، وللمرة الثانية كان أفراد من الأقليات، من النصارى وأقل من ذلك من اليهود، كانوا مفيدين ومعاونين بطرائق مختلفة للسلطات الاستعمارية (الامبريالية)
وكان هناك نفر من هذه الأقليات، وبخاصة من الطبقات العليا، حولوا انتماءهم إلى القوى الأوروبية الاستعمارية، متبنين لغاتهم وثقافاتهم، وحتي جنسياتهم في بعض الأحيان، وبعد زوال هذه الامبراطوريات ورحيل الأوروبيين، ظل هناك حساب كان لا بد أن يسدده أولئك الذين تخلفوا عنهم.
وهناك موضوعة أخيرة لا بد من اضافتها إلى تنميطنا للقمع: وهي الحالة التي كان فيها الأجانب - ولأسباب خاصة بهم وحدهم - هم المحرضين على إثارة العداء الاسلامي ضد أهل الذمة ... ففي الأيام المجيدة لقوة المسلمين وحضارتهم كان مثل هذا التحريض غائبا أو غير فعال، فيما عدا تأثير نفوذ النصارى الأوائل على الفهم الاسلامي لليهود، ولكن في أثناء سنين انحطاط الامبراطورية العثمانية أصبح ذلك عاملا له بعض الأهمية، فالجماعات الذمية الكبرى - اليونانيون والأرمن والعرب المسيحيون واليهود - هذه الجماعات كانت متنافسة في بعض المجالات. وكانت تتنافس على مركز اجتماعي مكمل لمركز المسلمين المسيطرين. ولم يكن يستغرب أن تحاول احدى الأقليات تحريض سادتها المسلمين ضد أقلية أخرى. وكان هناك، على الأخص، بعض المقولات النموذجية عن العداء للسامية المسيحي الأوروبي الأصل، مقولات تستخدم ضد