كان في الصورة الثانية مشابهة لألمانيا الهتلرية، إن لم يكن أسوأ ... هذا لوكان ذلك في ضمن حدود التصور المعقول
وبطبيعة الحال، فإن كلتا الصورتين قد حرفتا بشكل مشوه. ورغم ذلك فإن كلتيهما تحتويان على ما يمكن أن تحتوي عليه الصورة غالبا: أي بعض عناصر الحقيقة، وتشترك هاتان الصورتان بسمتين مميزتين هما: كونهما حديثتين نسبا، وأنهما ناشتتان عن مصادر غريية لا إسلامية. فالتسامح بالنسبة إلى المسيحيين، منهم في ذلك مثل المسلمين، هو فضيلة جديدة، كما أن التعصب هي جناية جديدة. ولم يكن يثني على التسامح كما لم يكن يذم التعصب طوال الجزء الأكبر من تاريخ المجتمعين، المسيحي والاسلامي. وأوروبا المعاصرة نفسها لم تكن تجيز التسامح ولا هي مارسته. ولم يكن يحرجها كثيرا غيابه لدى الآخرين.
والتهمة التي كانت توجه باستمرار ضد الاسلام لا تتمثل في أن تعاليمه كانت تفرض بالقوة - وهذا أمر كان يرى بأنه عادي وطبيعي - بل تتمثل في أن هذه التعاليم غير صحيحة، ويتوازى مع هذا في الجانب المسلم أن الدعوة إلى التسامح التي نسمع بها كثيرا في هذه الأيام، والتي ينادي بها المدافعون عن المسلمين، ويتبناها حماة الاسلام بشكل أخص، هذه الدعوة هي أيضا جديدة، وهي من أصل هجين. ولم يبدأ بعض المدافعين عن الاسلام، إلا في وقت متأخر جدا، في التأكيد على أن مجتمعهم كان فيما مضى منح غير المسلمين وضعأ قانونية يتميز بالمساواة، ولم تصدر مثل هذه النداءات عن الخطباء الداعين إلى نهضة اسلامية، ولا شك في أن هؤلاء هم على حق من ناحية تاريخية. أما المجتمعات الاسلامية الكلاسيكية فلم تكن تمنح مثل هذه المساواة، ولم يزعم أبناؤها أنهم أقدموا على ذلك.
مواقع الأمر أن المساواة في العهد الاسلامي القديم لم تكن تحسب على أنها استحقاق، بل كانت تعتبر إخلالا بالواجب، إذ كيف يمكن لأمريء ما أن يقدم نفس المعاملة لأولئك الذين يتبعون العقيدة الصحيحة ولأولئك الذين لفظوها بمحض إرادتهم؟ لا بد أن يكون هذا هراء بمفهومية الديني والمنطقي.
إن الحقيقة - وكما هو مالوف - كامنة في نقطة ما بين الصورتين اللتين استحوذتا على ما كتب حول الاسلام، الصورة المواجهة والأخرى المقابلة لها. وهذه الحقيقة أكثر تعقيدا وأكثر تنوعا وضبابية من الصورتين.