كان نادرة في الأزمنة الوسيطة، وكان يتطلب ذلك عادة، وفي مرحلة ما، اعتناق الاسلام قبل أن يتمكن الطبيب من استغلال موقعه حتى الحد الأقصى.
في مجتمع ذي نظام حكم فردي شخصي، تكون امكانية الوصول إلى الحاكم في الدرب العريض الهام، والوحيد غالبا، إلى مواقع القوة والنفوذ. غير أن هذا النوع من القوة، مثله مثل السلطة التي انبثقت عنه، يكون دائما غير مستقر ومحفوفة بالمخاطر، ويمكن أن ينتهي بصورة مفاجئة ومؤلمة عن طريق وفاة الحاكم أو خلعه، وقد تنتهي بفقدان فضل المفضل، أو بتغير بسيط في الظروف السياسية. وسقوط كهذا بعقب صعودا كهذا، يمكن أن يكون أحيانا كارثية بالنسبة إلى عائلة وجماعة صاحب المنصب الذي معه ارتفعوا ثم معه سقطوا ...
إذا كان الطب والمال هما الدربين اللذين استطاع اليهودي من خلالهما أن يحقق قوة سياسية، فقد كان هناك طرق أخرى لكسب أسباب العيش. ويبدو أن فقراء اليهود عموما كانوا يتألفون من صغار الحرفيين والعمال اليدويين. وكان أغنياؤهم من التجار، الذين شكلوا في الحقبة الأولى عنصرا مهما في مجتمع التجارة في الامبراطورية الاسلامية
واليهود بصورة عامة، كانوا معنيين بالاقبال على المهن التي كان ينظر إليها المسلمون، لهذا السبب أو ذاك، بعين الرفض. وكانت هناك - حسب عبارة غويتين - أعمال حساسة كان يرى اليهود بأنه من الأسلم تجنبها وكانت هناك فجوات ملحوظة في المساحة الواسعة التي كانت تغطيها الأنشطة التجارية والصناعية اليهودية، وقد ورد ذكرها في وثائق «جنيزة» (3) (Genira) مصر العصور الوسطى. وأبرز تلك الفجوات وتلك التي كانت لها علاقة بالتموين والنقل والحرب. فلم يلحظ أن اليهود كانوا يتعاملون بالحبوب الرئيسة، مثل القمح والشعير والأرز ولم يكونوا من ذوي الاهتمام بتربية المواشي أو بيعها من أجل لحومها وحليبها. ولم يكن لهم شأن في تجارة الإبل والخبول وغيرها من حيوانات الركوب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(*) المجنيزا، Genia: كلمة عبرية الأصل، ومعناها الحرفي والمخبأ .. وصارت هذه العبارة تستخدم التعني مجموعة مخطوطات تتناول مختلف أوجه الحياة اليهودية القديمة. وتكون عادة مخفية في أقبية المعابد اليهودية، وجينزة القاهرة في إحدى هذه المخطوطات. وقد عثر عليها المستكشف سولومون (سليمان) شتشتر Schachter عام 1899 في كنيس عازار بالقاهرة