الصفحة 54 من 212

الزرادشتيين المتزمتين الفرس سادة امبراطورية إيران، كانوا جميعا، وظلوا حتى ماض غير بعيد، يحاولون فرض عقيدتيهما وهويتيهما على الجماعات الدينية والعرقية الأخرى، إلا أن هذه المساعي فشلت، وما نتج عن ذلك من توترات واستباسات أدى إلى أن بلقي الفاتحون المسلمون مزيدا من الترحيب، وجعل وجودهم بعد الفتح أكثر قبولا. وباستثناء وضع عارض، ذي أهمية لا تذكر، ولم يدم طويلا، فإن العرب المسلمين، حكام الإمبراطورية الجديدة، لم يكرروا أخطاء سابقيهم، بل عملوا بدلا من ذلك إلى احترام حالة التعددية التي كانت موجودة منذ القدم، وهذه الحالة لم تكن لتسمح بالمساواة، بل الأصح أنها كانت حالة تفوق أو سيادة إحدى الجماعات، ويليها عادة الآخرين، وفق طبقية هرمية، ومع أن هذا النظام لا يتيح المساواة إلا أنه أتاح قيام تعايش سلمي مشترك. وبينما كان بالإمكان أن تتسيد إحدى الفئات، فإن هذه الفئة لم تكن تصر على كبت الآخرين أو استيعابهم (امتصاصهم) . أما الفئة التي تسيدت فيما بعد فقد كانت مختلفة هويتها - كعرب مسلمين في بداية الأمر، ثم كمسلمين وحسب. وباستبدال الهوية العرقية - الدينية بالهوية الدينية المحصنة، أصبح الانتماء إلى الجماعة المتسيدة مفتوحة أمام الجميع ... وبذلك أتيحت امكانية أن تصبح الأقلية المهيمنة مع مرور القرون هي الأكثرية الساحقة.

بالاضافة إلى ذلك، سهل أمر هذا التبدل عن سمة مميزة طبعت الشرق الأوسط طوال معظم تاريخه الوثق - سمة التقلب أو التموج والتبدل التي تطرأ على مختلف هوياته الاجتماعية والوطنية والاقليمية والثقافية والقانونية، بل وحتى الاندماج فيما بين هذه الهويات.

وثمة جانب حيوي في السلوك الإنساني يتمثل في تقسيم العالم بين أنفسنا وبين الآخرين. وقد عرف الشرق الأوسط المثير من هذه التقسيمات: الأقرباء وغير الأقرباء اليهود وغير اليهود، الأغريق والبرابرة، أهل البلاد والهجناء والأجانب .. وغيرهم.

والتصنيف الذي كان في السابق مالوفة عند اليهود والنصارى هو التمييز بين المؤمنين والكفرة، وفي أزمنة الاسلام غدا هذا التصنيف هو الخط التقسيمي الأهم، والذي طغى على التقسيمات الأخرى كافة. وتفرعت هاتان الفئتان - المؤمنون والكفرة - في شعاب متعددة. والفروع التي صار عليها المؤمنون ليست موضوع اهتمامنا هنا. أما الكفرة فقد قسموا في معظم البحوث النظرية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت