ولم تكن الإسكندرية مدينة واضحة لمن يفد إليها، فقبل معرفتها معرفة حقة، يحتاج المرء إلى دراستها وعشقها، وقد أحببت المدينة من شارع شريف باشا الذي يحمل ملامح بوندستريت بلندن، وحي أنسطاس، وحي الجمرك وقراقول العطارين. وفي جو هذه المدينة المصرية أحسست بسحر الشرق: الفراعنة، وسليمان، وهوميروس، والإسكندر، وفرجيل، والقديس بولس، ودانتي، ودانولو، وأنطونيو وكليوباترا، وتاجر البندقية. عالم ينظر إلى الماضي أكثر من نظره إلى المستقبل شأن القارات الكبرى.
كانت حياتي مرهقة بدنيا ووقتي مشغوة، استأجرت کابينة تابعة لخفر السواحل تقع على الطرف الشرقي لخليج ستانلى بالرمل مقابل ثلاثة جنيهات شهريا، كان البحر يحيط بجانب منها، ولا ينقطع سماع هدير الأمواج، وكان بالكابينة بعض الكتب وبيانو، ولكني لم أمكث فيها إلا نادرا، ولما كنت قد أصبحت ناقدا أوبراليا الجريدة الإجبشيان جازيت، حضرت العروض التي كانت تقام على مسرح زيزينيا الصغير الأنيق، فكنت أسير لمدة عشر دقائق إلى محطة الترام، ثم تستغرق رحلة الترام بالإسكندرية 20 دقيقة ثم أسير عشرين دقيقة إلى الجمرك، وأعود إلى منزلي بعد انتهاء العمل لأغتسل وأرتدي ملابس السهرة، وأتجه إلى مسرح زيزينيا لحضور عرض الأوبرا، ثم أكتب نقدي للعرض على مائدة رخامية في مواجهة المسرح، وألحق بترام الساعة الواحدة والنصف صباحا وهو أخر ترام من الإسكندرية إلى الرمل، ثم أركب الترام مرة أخرى بعد نوم لا يزيد على أربع ساعات في الطريق إلى عملي بالجمرك.
وفي عام 1906 حصلت على إجازتي وسافرت إلى اليونان، حيث قضيت أسبوعا لا ينسي بالمدرسة الإنجليزية وعشت في الأكروبولس، ثم ذهبت بالبحر من بتراس إلى. برنديزي، فوصلت إليها في السابعة صباحا، واتجهت مباشرة إلى شركة توماس كوك لأستعلم عن موعد القطار التالي إلى ميلانو، فقال لي الموظف إن القطار يتحرك في الثانية بعد الظهر، فصحت قائلا: «يا إلهي، هل سأنتظر في هذه القاعة لمدة سبع ساعات .. فإذا بالموظف يقول: «لقد انتظرت هنا سبع سنوات .. وقد