الصفحة 166 من 660

وكان نفوذ السكرتير الشرقي ممتدا بامتداد نفوذ المعتمد البريطاني، وفي نروة النفوذ البريطاني في مصر - منذ 1890 حتى الحرب - كان يتولى هذا المنصب رجل يختار من بين من خدموا بقنصليات الشام، وكان المنصب يعد من المناصب الصغرى المهمة في الشرق الأدني.

كان اسم هاري بويل (السكرتير الشرقي) هو أول الأسماء التي سمعتها في الترف كلوب، وقد شغل المنصب لسنوات طوال، وكان موضع إعجاب وتقدير مجموعة صغيرة من كبار الموظفين الإنجليز. وكان صغار الموظفين الإنجليز الذين التقيتهم يرون أنه، يعرف الشرق تمام المعرفة، فإذا كنت تريد رجلا يجيد التخطيط لمد النفوذ الإنجليزي ويعمل على إبقاء الإنجليز هناك، فلا يستطيع ذلك أحد سواه .. ،، وكثيرا ما كنت أقول لنفسي إنه من حسن حظ إنجلترا أن الرجل لا يشبه أولئك الذين تحدثوا عنه، وقد غاب هاري بويل لعدة شهور، وكان أبرز برهان على أهمية الرجل، انتظار عرية فتحى باشا زغلول - وكيل وزارة الحقانية - خارج البيت الصغير الذي يسكنه بويل،

أخيرا، أرسلتني وزارة المالية برسالة خاصة إلى دار المعتمد البريطاني، فدخلت مكتب السكرتير الشرقي، فوجدت طاولة عليها آلة كاتبة ينحني عليها شارب ضخم فوقه أنف مقوس وعينان سوداوان، فانتحيت جانبا انتظارا لانتهاء السكرتير الشرقي من تناول غدائه، كان أمام الآلة الكاتبة طبق من البيض المقلي بالسمن، وعلى يمينه أبريق ما، وعلى يساره أخر للبراندي، وقد أتي عليها جميعا بسرعة ملحوظة، وقد وضع أمام الطبق جريدة «المقطم، يقرأ المقال الرئيسي أثناء تناوله الطعام ويسجله في ذاكرته، ثم يطبع على الآلة الكاتبة ترجمة له بأسلوب نثري بديع •

ولم يكن اسم بويل يدرج في قوائم حفلات العشاء الرسمية (حتى تلك التي يقيمها المعتمد البريطاني) ، ولم يصحب اللورد يوما إلى قصر عابدين، ولكن خدماته السيده كانت لا غنى عنها، وإخلاصه له لا يعرف حلوا، ورغم ما وجه له من نقد قرب انتهاء خدمته من أنه ينظر إلى مصر بمنظار شامي، كانت معرفته دقيقة بكل ما يجري وما سيجري على الساحة السياسية، تحت السطح وفوقه، ويمكن القول - نون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت