الصفحة 262 من 660

فلم يتقدم أحد باستقالته، ودفعني الفضول لكي أرى نص نموذج قبول الاستقالة في اليوم التالي، وعندما فتحت الدرج لم أجد سوى علبة سيجار كبيرة الحجم.

وأتاحت لي فرصة السنوات الثلاث التي قضيتها في اتصال يومي مباشر مع كيتشنر أن أقارن بين السمعة والواقع، لأجد أن الحقيقة أغنى وأكثر تنوعا من الصورة التي رسمتها لكيتشنر صحافة التسعينيات من القرن التاسع عشر) باعتباره الرجل القوى الصامت، أحد بناة الإمبراطورية، يكره النساء ولا يهتم بشيء سوى عمله، ولا يفتح فمه إلا عندما يصدر أمرا ينفذ فورا، وتعود حساسيته نحو النساء إلى البيئة، وإلى تأثير النساء على أذهان معارضيه.

ولم يكن يتردد في اتخاذ قرار يختلف تماما عن قرار سابق إذا أدرك أنه غير مناسب وبدا ذلك واضحا بعد وصوله إلى القاهرة بقليل، فعند تحديد الموعد المعتاد الذي يستقبل فيه الخير زواره، طلب اللورد كيتشنر مقابلة خاصة مع الخديو بقصر القبة، وأعطى تعليماته - في اليوم التالي - بأن يحضر اثنان من رجال دار المعتمد البريطاني - حددهما - استقبال الخديو، وكان اختياره قد وقع على روبرت كريجر (1) ، وشخصي للقيام بهذه المهمة، ورغم تقديرنا لهذا الشرف الذي أضفاه علينا اللورد، أبدينا تشككنا في أن نكون بديلا مناسبا لسعادته في مناسبة يحضرها ممثلو الدول الأوروبية في مصر الذين سوف ينظرون إلى هذا التصرف بعين الشك، وللأسف حدث ما تحسبنا وقوعه

، فقد افترض ممثلو البول في مصر أن «ادعاء وضع خاص و للمعتمد البريطاني هو بمثابة انقلاب يدشن تغييرا في وضع بريطانيا في مصر، وكانت الطريقة التي استقبلنا بها من الدبلوماسيين الآخرين بالقصر تنم عن أننا مسئولون عما حدث، فنفر منا الجميع، حتى أولئك الذين كانت تجمعنا بهم صداقة شخصية، وكانوا يسهرون معنا في الليلة السابقة على الاستقبال أهملونا، وتبادلوا الحديث مع بعضهم البعض دون اعتبار لوجودنا، مع إبداء اهتمام (له دلالته السياسية) بالصور الرسمية الكبيرة المعلقة في القاعة لحكام أسرة محمد على، وأرسل القناصل برقيات مطولة مشفرة عن طريق شركة التلغرافات الشرقية

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السير روبرٹ گريجر فيما بعد، ومندوب بريطانيا في صندوق الدين بالقاهرة فيما بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت