وحرصا من السير الدون جورست على الالتزام بالتعليمات الصادرة إليه من حکومته قلل من تدخله في الشئون المصرية، واقتصر على التدخل في الأمور المؤثرة على المصالح البريطانية. وكان ذلك يعني إغماض العين عن الأشياء غير الضرورية. وعدم الاستماع إلى الشكاوي الموجهة ضد القصر والباشاوات طالما كانت صادرة عن غير اليتامي والأرامل والمظلومين، وكان هذا العزوف عن التدخل لا يشمل بعض الشخصيات ذات المكانة العالية من الأمراء والأميرات الذين يشكون من تدخل کبير العائلة في ملكياتهم، والوطنيين العادين للإنجليز الذين يهربون من الظلم إلى النكران، وكان صاحب الشكوى الذي لا يلقى استجابة يتجه بشكواه إلى جهات وأماكن أخرى، ليست - بالضرورة - أكثر استجابة من دار المعتمد البريطاني ولكنها قد تكون أكثر اهتماما على حساب الولاء السياسي، ولا يعود ذلك إلى قصور في حياد جورست المفروض عليه، أو إيجابية السياسة المناقضة التي اتبعها كيتشنر. حتى نستطيع القول إن التغيير كان موضع الترحيب الفوري واسع النطاق.
فقد شعر الناس من مختلف الطبقات أن بإمكانهم اللجوء إلى سلطة أعلى، وتركوا دار المعتمد البريطاني سعداء برفض اللورد لطلباتهم أكثر من توصلهم إلى تسوية الأمور بنسبة 80 ? مع موظف صغير، وكثر عدد المترددين من العمد والأعيان والبكوات والوزراء والموظفين السابقين المصريين الذين خدموا تحت رئاسة كبتشنر بالسودان، أضف إلى ذلك كبار الموظفين الإنجليز ورجال السلك الدبلوماسي وضباط جيش الاحتلال، وبذلك أصبحت دار المعتمد البريطاني على حد تعبير إحدى الصحف المحلية، مثل مكة بالنسبة للنهضة المصرية في المجالات الاجتماعية والسياسية والتجارية والصناعية والزراعية.
وبين عشية وضحاها، تضاعف عمل السكرتير الشرقي ثلاث مرات عما كان عليه من قبل، وكان الوقت الذي خصصه اللورد للمقابلات لا يتسع لكل من يطلبون المقابلة. ورغم أن كيتشنر لم يضع حاجزا اجتماعيا بينه وبين الناس، فإنه كان يحب تصفية الموضوعات التي لا يستدعي الامر اطلاع المبكر عليها أو إحاطته علما بها.