وكانت بساطة اللورد لا تتماشى مع مثل هذه الشخصية الطاغية، فكان الكثيرون ممن جاوا غاضبين يعودون من لقائه مبهورين، ولكن قد يكون الأمر مختلفا على نحو ما حدث للشيخ البدوى لملوم بك السعدي، فقد عاد كيتشنر من إجازته إلى مصر قبيل قيام إيطاليا بإعلان الحرب على تركيا وغزوها طرابلس على حدود مصر العربية، وقد أثار هذا الغزو الإيطالي لبلد إسلامي المشاعر في مصر رغم التزام الحكومة الحياد في تلك الحرب، غير أن الشعب المصرى أبدي حماسه الشديد بالتبرع للهلال الأحمر (الذي تبرع له كيتشنر بمبلغ مائة جنيه تم تلقيها بالترحاب) وكذلك التبرع لمساعدة تركيا في تلك الحرب، لم يكن هناك سبيل لتحييد القلوب، فقد بذلت الحكومة المصرية والسلطات البريطانية وسعهما لمنع تهريب السلاح والذخيرة إلى طرابلس عبر مصر، ولكن الحدود الغربية طويلة غير محددة جيدا، ومن الصعب التحكم فيها، وقد أبلغت كيتشنر أن الوم السعدي نظم اجتماعا سريا - قبل مقابلته بليلة واحدة - مع غيره من شيوخ البدو لترتيب نقل كمية كبيرة من البنادق والأخيرة على ظهور الإبل من مكان بالقرب من المنيا عبر الحدود إلى طرابلس، ودخل الشيخ حجرة اللورد وجلس على المقعد، وانطلق في الحديث مهنئا المارشال على سلامة الوصول، مؤكدا أن السرير قد عم جميع المصريين وكذلك البدو، وتركه كيتشنر يتحدث على سجيته، ثم فاجأه بالسؤال عما كان يفعله ليلة الأمس، فاكفهر وجه الشيخ وارتعدت فرائصه ثم قال. لا شيء مهما، لقد كنت مع عائلتي، فقال كيتشنر:: إذا كان البدو يتلهفون على الاشتراك في الحرب، باستطاعتي أن ألغي على الفور إعفاسهم من التجنيد،، وكان التهديد بإلغاء هذا الامتياز الذي حصل عليه البير منذ عهد محمد علي باشا، إضافة إلى ما يحظى به التجنيد من كراهية، كافيا ليجعل لملوم وقبيلته وغيرها من قبائل البدو يفتر حماسها منذ ذلك الحين، وتلزم الحيطة والحذر.
وعلى نقيض كرومر، لم يكن كيتشنر عالما أو كاتبا، كما لم يكن مياة القرابة. ورغم بعده عن كل تلك الفنون التي لا تروق له، كانت مراسلاته (للخارجية البريطانية) رهيئة الظروف، لا يجد حرجا في أن يضع نهايات تتسع الفجوة بينها وبين البدايات. وكان قبل القيام برحلة من الرحلات، برسل الكولونيل فيتزجرالد إلى إحدى المكتبات القريبة من فندق شبرد ليشتري له نصف دستة من الروايات، وكان.