الأراضي. واستمر الاجتماع مدة ساعتين، كان اللورد يتحدث خلالها، وكنت أقوم بالترجمة شارحا مزايا الضريبة التي لن يدفعها أي من الحاضرين، وكان بعض الأعيان الحضور من أصحاب الملايين، وقد أبدى الجميع إعجابهم بخطة اللورد، ولكن رأينا على وجوههم جميعا تعبيرا واحدا، هو أن الأرض تعود إلى أجدادهم الذين قضوا نحبهم تحت ضرب السياط دون أن يبوحوا بموضع مدخراتهم لجباة الضرائب أو إسماعيل المفتش، ولم يتم تقديم مشروع قانون ضريبة التركات وتناول الحضور طعام الغداء مع اللورد في صمت مطبق.
والمرة الوحيدة الأخرى التي كان كيتشنر فيها بعاني الحيرة، كانت إحدى الأزمات الوزارية التي لا يقل اهتمام الصحافة المصرية بها عن اهتمام الصحافة الأثينية بمثل تلك الأزمات، ففي مارس 1914 فقد محمد سعيد باشا - الذي خلف بطرس غالى باشا في رئاسة الوزراء - ا عطف القصر، لدرجة جعلت من الصعب عليه الاستمرار في منصبه، ولم يكن هناك سبب محدد يعطي لكيتشنر فرصة الإصرار على استمرار سعيد باشا في منصبه رغم فقده لثقة الخديو، ووافق كيتشنر على إقالة سعيد باشا على مضض لغياب الشخصية المماثلة الشخصية مصطفى فهي باشا - في الأزمة الوزارية الكرومرية - ليتولى هذا المنصب، وخاصة أن مصطفي فهمي باشا لم تكن لديه الرغبة في العودة إلى تولى الوزارة، وزاد من صعوبة الموقف أن مصطفى فهمي باشا كان موجودا عندئذ بالأقصر، ولم يكن قد تم ربط هذه المدينة بعد بالقاهرة هاتفيا، فأوفدت سرا إلى الأقصر لمقابلة الباشا وحثه على إعادة النظر في رفضه للمنصب، وبعد ساعة من الجدال الوقود في غرفته بالفندق، وصل إلى نقطة القبول بشرط أن يتم تغيير عضوين غير مقبولين من أعضاء مجلس الوزراء، وعدت مسرورا بهذا الحل المشروط، لأجد أن القاهرة كلها قد عرفت بمهمتي، ورغم أن مصطفى فهمي باشا - المعروف بدمائته ونبله - لم يقل شيئا، فقد أشيع أن الرجل يتعرض للضغوط القبول بالمنصب، وعندما قابل مصطفى فهمي باشا اللورد كيتشنر بعد ذلك أصر على اعتذاره عن عدم قبول المنصب (ربما كان ذلك بتائير صهره سعد زغلول باشا) ، ما لم يؤذن له بالتخلص من اثنين من أكفأ الوزراء وأكثرهم نشاطا. ولم يقبل أي من الطرفين بذلك، وانصرف الباشا.