الفراعنة، وموقع كرسي العزيز، أمل العرب والفرس .. انظري كيف بخسك العالم حقك وحقوق البشر حتى أصابك الضعف .. لقد ظلم الأخرون مصر، ولكن الأتراك كانوا رفقاء بها، فإذا لم يقم عرابي - جعل الله قبره جحيما - بالفتنة، ما تعرضت مصر للاحتلال، ويدين المصريون للأتراك بالنوق ونبل الإحساس، فقد تعلموا من الأتراك كيف يأكلون ويلبسون ويعيشون، ويدين لهم المصريون بحسن النظام وجودة الإدارة، ونبل المقاصد، والحق أن المصريين يعلقون أمالهم على الترك ... ولا شك أن الأتراك علقوا بدورهم أملهم على المصريين، ولكن أنا من تلك الأمال لم يتحقق.
تناولت الغداء مع حسين رشدى باشا وعدلي يكن باشا فلمست منهما الود والصداقة، ولكني وجدتهما يريدان أن يعرفا بالضبط موقع البلاد من تلك الأحداث. وفهمت أنهما يتطلعان إلى أن نقوم بإنهاء تبعية البلاد لتركيا، وأتمنى أن نستطيع قطع الصلات بتركيا بطريقة لا تضر بما تريد تحقيقه من مكاسب في هذه الحرب.
وفي الملاحظات التي كتبتها لأضمنها تقريري الأول عن الأوضاع في مصر، لاحظت أن هناك تباطؤا في إيقاع تدفق المعلومات من الأقاليم. ويمكن إرجاع النقص الشديد في المعلومات الواردة من المدن الإقليمية إلى تحذيرات المراقبين من الشوام والمسيحيين والأقباط واليهود والأرمن، ففي بداية الحرب بدت في بعض الدوائر موجة من المعاداة للإنجليز والتأييد لفلان أدهشت الأوروبيين وحيرت المراقبين المصريين. وكنا نتوقع تفاقم الشعور المعادي لبريطانيا من جانب رجال الحزب الوطني المتطرفين، كما أن التحالف الإنجليزي - الروسي لم يكن مستساغا عند المسلمين وعائلات اليهود النمساويين ذات الوزن الكبير بالإسكندرية، وكانت الطبقة العليا - فيما عدا العائلة الخديوية التي كانت عندئذ في مفترق الطرق - والطبقة الدنيا التي تأرجح جانب منها بين هؤلاء وأولئك، كانوا يقفون إلى جانب بريطانيا. يهز المسلمون المتدينون روسهم قائلين. نتمنى من بعيد أن يحقق الأتراك النجاح .. أما الأثرياء والاكثر معرفة يدركون أنه حتى لو صحت المعلومات القائلة بفظاعة الألمان وبطشهم بالمستعمرات، فإن تقدمهم يعني استبدال شيطان مجهول بالشيطان الذي تعرفه.