المسئولية في هذه الظروف الانتقالية تعود إلى قلق الوزراء المصريين من استمرار غياب الخديو (1) .
وجاتنا التقارير من الشام تفيد أن الحكم العثماني يزداد إرهابا، فكتب أحد المراسلين الصحفيين من بيروت يقول: «منذ أرسلت لك الرسالة الأخيرة في الخارجية البريطانية يفر المسلمون (الذين ضللتهم استانبول بمقولة عنوان الحلفاء) إلى داخل الشام» ، وهبطت على تحذيرات كثيرة من الشخصيات المريبة التي أقابلها دون إدراك الحقيقتها، وبسبب هذا الارتباك البائس الشديد، قصرت صلاتي على من عرفتهم منذ عشر سنوات، وعلى الروابط القوية والواسعة التي استطعت إقامتها خلال تلك السنوات، وهي صلات لم تخيب ما عقدته عليها من أمال، حسبما أعتقد.
وكان هناك اتجاه للشك في خيانة الضباط والموظفين المصريين لنا، وهو اتجاه بعد في رأيي ظالما وخطيرا، وقد أنفقت الكثير من الوقت والجهد في كتابة المراسلات التي كنت أصر فيها على ضرورة الثقة في الجميع، أو تخوين الجميع، وبعبارة أخرى إما أن نثق فيهم أو ننتهي تماما. وفي طقس بداية الخريف الحار الرطب، كانت تلك المشاغل وغيرها مدعاة للتوتر. وقد عقدت العزم منذ بعض الوقت على الذهاب إلى الإسكندرية بضعة أيام للتخلص من ضغوط العمل، فلا أدري إلى متى أستطيع بدنيا تحمل إجراء مقابلات مع العديد من الأفراد من التاسعة صباحا حتى الواحدة والنصف بعد الظهر، سبعة أيام في الأسبوع، وبأربع لغات دون وجود من يساعدني في هذا العمل.
ولكن، أخذ يتضح لنا يوما بعد يوم أن الحملة الإسلامية الألمانية - التركية على وشك النجاح، إلى درجة حث الحكومة العثمانية في أي لحظة إعلان الحرب على الحلفا، بما فيهم بريطانيا - التي ظلت صديقة للدولة العثمانية على مدى نصف القرن.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معلوماتي هنا مستقاة من سكان الين الذين تعرضوا للدعاية، والذين لم يكن لديهم ما يخشون عليه، فانتظروا لحظة التسليم، وفي أغسطس 1914 كانت الأقاليم موالية للإنجليز لا عن حب، ولكن حرصا على ضمان تسويق قطنهم، وكان النقيض عند نهاية الحرب مأساويا.