ترجمته له، وكانت تلك الروح الفنية تؤهله لكي يصبح ممثلا كوميديا من الطراز الأول يجتذب الناس بقدرته الفائقة على تقمص مختلف الشخصيات، وأدائه لمختلف الأنوار فقد تحدث معي لمدة عشرين دقيقة مقلدا مناقشات البرلمان بنبرات أصوات العديد من السياسيين الكبار، قائلا: إنني أتحدث باسم من يخشون الله، قراء الإنجيل. الملتحين، سكان شمال أيرلندا الذين ليس لهم سوي مطلب وحيد يريدون تحقيقه دون مماطلة أو تأخير ... ». كما مثل أمامي مشاهد من إحدى الروايات، معبرا عن كل مكونات المشاهد، بما في ذلك صهيل الخيل، وصوت السياط، وصوت اصطدام القطار وإطلاق الرصاص .. كان باستطاعته أن يصبح مثلا بارعا، كما كان باستطاعته أن يكون كاتبا روانيا بمتع القراء بكتاباته.
لقد سافر مارك سايكس إلى عدن، وأشعر بالارتياح عندما أستعيد صوت هذا الجندي والسياسي بنادي تابعه: «يارقيب ويلسون، أعطني شكسبير، ليذكرني بمشهد السكير بمسرحية أنطونيو وكليوباترا.
والشخصية الأخرى هي شخصية أوبراي هربرت الذي كانت طيبته ونقاء سريرته شبهان سايکس من حيث علو الهمة، وما أثاره من اهتمام عند الشرقيين، وكذلك لكونه قد أصبع - بعد لورانس - أكثر الضباط إهمالا في مصر. كان شديد التأثر بمسائل لا تبدو مثيرة للاهتمام عند غيره مثل الألبان، واللاظ، والأكراد، فقد تحدث عن الأكراد يوما أمام جمع من الناس، فوصفهم بأنهم من أرومة مثالية , فرد عليه فيتزموريس - من سفارتنا في إستانبول - د أجل أوبراي، إنهم عنصر متميز، إنني لا أجد عنصرا أخر قد يهب إلى مساعدتي في شن هجوم مفاجئ على الفلاحين العزل»
ومن بين الشخصيات ذات المراكز المتواضعة التي أنكرها من أيامي في القاهرة جون كبير خدم ماكماهون بقصر الدوبارة، فقد جانا منقولا من سفارتنا بإستانبول. ولم يكن معتدأ بنفسه ويعمله فحسب، بل كان يصر على شرح واجباته، وقد اعترض على تقديم الخمور للنساء غير المتزوجات من الضيوف، وكان يملا کنوسهن بالماء القراح بدلا من الشعبانيا، ولن أنسى ما فعله يوما عندما كنا نهم بمغادرة قصر الدوبارة في الاتجاه إلى قصر عابدين لحضور حفل عشاء، فتقدم جون إلى الليدي ماكماهون مقترحا أن تضع قليلا من البودرة على الجانب الأيسر من أنفها!