وتجولت في القرية حتى مد لي صبي في الحادية عشرة من عمره يده، ففهمت أنه يريد مصافحتي، ففعلت ذلك - وحسنا فعلت - لأنه كان ابنا لأحد شيوخ القبائل نجح مؤخرا في الحصول على الحماية البريطانية، واعتقدت أن الصبي (حسين خان) ولد طيب، ودعوت له بالانتصار على أعدائه. وسرت فوق رمال الصحراء الملتهبة إلى ضريح شيخ البلدة الذي يقع وراءه بستان من أشجار المانجو والخضروات، وعبر خنادق حملت أسلاك التلغراف، حيث محطة التلغراف وثمانية جنود من القوات الهندية المعاونة التي تحرس القلعة، رفعت قبعتي تحية لأولئك الشباب الذين تقل أعمارهم عن الثلاثين عاما، ويعيشون في القلعة منقطعين عن العالم، لا يصل إليهم البريد سوي مرة واحدة كل شهر، يعيشون بعيدا عن الأهل والأصدقاء، ولا يوجد مكان لممارسة الرياضة إلا على بعد أربعين ميلا. ويحرص الضباط على شغل جنودهم دائما بالتدريبات، ويعدونهم للاشتراك في مباريات كأس الهوكي التي تنظمها تلك القوات، وقد طلبوا منا البقاء لتناول الغداء معهم، وعندما ناقشوا معنا نقص إمكانات القلعة والحاجة إلى ملعب تنس، وغير ذلك من أمور، حرصت على أن أقارن حالهم بالوضع على السفينة. علاه، وبرغم أن شاهبار لا تشبه أصفهان مثلما لا تشبه بورسعيد أو الأقصر فإنني أحسست بالسعادة لوجودي على أرض فارس
أخبرني سعيد أن حذاعه البنى الجديد الذي اشتراه قبل السفر من القاهرة بمبلغ 30 قرشا قد سرق من جواره في أثناء نومه، فقلت له إن الكثيرين نبحوا في أثناء نومهم، وإنه بعد بذلك محظوظا لتفاهة ما تعرض له من خسارة، ولكنه استمر بندب حظه العاثر، فتحدثت إلى رئيس خدم الباخرة، الذي حامت حوله شكوك سعيد. فأعاد ما ضاع بحلول المساء.
27 أبريل 1917 - بعد أن نمت نوما عميقا على سرير سفري بمقصورة القيادة استيقظت في مسقط. كان الخليج بديا، محاطا بقمم التلال، تحيطها القلاع والطوابي التي تحمل مدافع قديمة تبرز من مغازلها، وكتبت أسماء السفن التي ترددت على الميناء منذ سنوات بحروف بيضاء كبيرة، ومعظمها من السفن البريطانية، وفي ظهير المدينة الصغيرة البيضاء تبدو بعض البيوت الكبيرة منها القنصلية البريطانية، وقصر السلطان، والمستشفى، وقد أرسلت مذكرة إلى القنصل والوكيل السياسي