كم من رؤساء الوزارة بعد جلادستون وجد متسعا من الوقت للمرور بتجربة الاستماع شخصيا إلى موعظة يلقيها المرشح لوظيفة نائب الأسقف؟)، وانتقلنا إلى الأسقفية التي تقع في 2 جروسفتز جاردنز، وهو أول بيت أذكره، وأمتع وأسعد بيت بحلم أي طفل بالحياة فيه (1) .
وقد ظل والدى طوال حياته يتمتع بروح رياضية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فبعد تناول العشاء مع ثلاثة من زملائه الكهنة ليلة أحد الأعياد، اقترح أحد الثلاثة أن يركع الجميع ويقدم كل كلمة للناصر الوحيد (الله) ، فقال أبي. لا داعي لهذا، فلا يجب أن نحقق مغنما غير شرعي من وراء هزيمة الآخرين، وكان أبي سابقا العصره في حب وتقدير الأمريكان، ولكنه رأى في صيحات مشجعي فريق كليتهم ما يثير السخرية، وكان واعظا مخلصا أكثر من كونه عالا، رشيق العبارة، لا يقرأ عظته من نص مكتوب، وكانت أكثر فترات خدمته نجاحا وأصالة عندما كان يتولى قداس الأطفال بكنيسة سانت بيتر، فقد فاق كل ما هو معروف في هذا المجال: إذ كان يهبط درج الهيكل، ويسير في الممر مناديا كل طفل باسمه، ويطرح عليه بعض الأسئلة دون أن يثير الخجل أو الغرور عند الطفل، إن عظة الأطفال قد تكون أسهل من عظة الكبار، خاصة المثقفين، ولكن إتقان فن الوعظ للأطفال بالغ الندرة، وحتي الآن يحييني الكثيرون من الكبار أبناء الساعة الثالثة: (موعد القداس) : مما يعكس مدى عمق تأثير أبي فيهم، وفي قداس الأطفال قمت بالإنشاد وحمل الصليب وجمع التبرعات.
ولم يكن والدي يقرأ بعمق، مما أصاب ابنه في مرحلة الدراسة الجامعية بنوع من الإحساس بخيبة الأمل، ولكنه عرف بخبرته العملية أن كثرة قراءة الكتب عند القس (وكذلك عند رؤسانه) تلوث الثياب.
(2) كان البيت ملكا لأوقاف الملكة أن باراني وستمنستر، وقد بيع عام 1930 بمبلغ 11000 جنيه إسترليني، ولم أدخل البيت من رحيل أبي، المقر الحالي للأسلفية في 24 شيستر سكوير، أما رقم 2 جروسنتز جاردنز فهو الأن وقت نوين هذه المذكرات) مقر الشركة كهرباء مياه فلسطين.