يجبرنا المنطق العلمي أن نبالغ في الدقة في بعض الأحيان. ذلك أننا نتعامل مع مسائل جديدة نسبيا في ساحة النقاش العربي. فالقضايا التي تتعلق بالفكر السياسي والعسكري، وشؤون الحرب والسلم، لا تقبل البحث والنقاش بالطريقة نفسها التي يتم فيها وصف ابتکار تكنولوجي جديد. فالأولى تتعلق بالإنسان وثقافته، وتستوجب معرفة متقدمة بالاعتبارات المركبة التي تؤدي إلى اتخاذ موقف دون آخر، وإلى قرارات الدخول في النزاع أو التفاوض فيه؛ بينما تتعلق الثانية بحدث علمي، مثل اختراع الهاتف الذكي، له فوائده وآفاقه ومحدوديته. لذلك رأيت أن أبدأ البحث برحلة سريعة في تاريخ الإنسان وعمقه الجيني، إلى عالم القردة، التي تتعامل مع مسائل الحرب والسلم بطرائق تكاد تكون مذهلة.
عندما يبتعد أحد قردة الشمبانزي عن جماعته في الأدغال ويقع في منطقة جماعة أخرى مجاورة، يكون رد الفعل دائما عدائية، إذ تتفرد به قردة الجماعة الأخرى وهاجمه وتأكله. أما إذا تلاقت مجموعتان، وكانتا متقاريين في العدد، فالصورة مختلفة، إذ تقف المجموعتان إحداهما مقابل الأخرى وتصيحان في غضب وترميان الحجارة وتهزان أغصان الأشجار بعصبية، وتستمر المبارزة الاستعراضية حتى يقتنع أحد الفريقين أنه أقل عددا أو أضعف من الفريق الآخر فينسحب.