الصفحة 218 من 352

في ممارسة سياساتها، بلا رادع، كما كانت تفعل في السابق، منذ سقوط النظام السوفييتي. كانت هذه القدرة قد وجدت محدوديتها في لعبة الردع النووي أيام الحرب الباردة، فقد كانت الذخيرة النووية تمنع كلا من القوتين المتنافستين من المبادرة بضرب الخصم، بسبب الآلية التي اكتشفاها سوية، والتي تعطي الغريم قدرة الرد عن طريق توجيه ضربة ثانية تماثل الضرية الاستباقية الأولى التي يكون قد تلقاها. إنها آلية رائعة، إذ تحول منصات الصواريخ المتحركة على الأرض والعابرة للقارات، ومعها أنظمة الغواصات الذرية وغيرها من طرق إيصال الذخيرة الذرية)، إلى أدوات تمنع الحرب بدل أن تؤججها. فالفريق الذي كان يظن أنه يستطيع أن يلغي غريمه بضربة ذرية صاروخية اقتنع أخيرة أن ضربته لن تكون بلا رد، وأن رد الغريم مؤکد (أي الضربة الثانية مهما يكن حجم الدمار الذي قد تسببه الضربة الأولى؛ وأن هذا الرد سيكون بحجم الضربة الاستباقية الأولى التي تلقاها.

إلا أن غريم الإمبراطورية الرئيسي، أي الاتحاد السوفييتي، لم يعد موجودة. صحيح أن الردع ما زال قائما، وأن روسيا مازالت قادرة على استعمال ذخيرتها النووية مثلما كانت الحال سابقا أيام الحرب الباردة، إلا أن الظروف السياسية تغيرت. فقد اكتشفت واشنطن أن القدرات التي طورتها منذ عام 1990 تسمح لها بتحقيق الكثير من أهدافها السياسية دون الوصول إلى أزمات الردع النووي. كذلك، فإن غياب الغريم الرئيسي مدة تقارب ربع قرن (بين 1988 و 2014 تقريبا) قد طور لدى واشنطن عادة التعامل مع المسائل الدولية بلا منازع أو رادع، ما أعطاها ثقة عالية بنفسها، وقناعة بأنها تستطيع أن تفعل ما تشاء، وبلا حساب، على الساحة الدولية.

ثم إن الحرب الباردة الأولى كانت مبنية على أسس واضحة. فقد بدأت بتفاهم بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، حيث تلاقي قادة هذه الدول في بالطا واتفقوا على اقتسام مناطق النفوذ فيما بينهم. وهكذا، فإن الاشتباكات الميدانية التي حصلت بين الشرق والغرب، بعد هذا المؤتمر، لم تكن مباشرة بل كانت تنشب بواسطة أطراف ثالثة يتم أحيانا تحفيزها وتسليحها، وتجري خارج نطاق مناطق النفوذ المتفق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت