عليها. أما اليوم، فليس بين الشرق والغرب اتفاق أو تفاهم بديل عن اتفاق بالطا، ولا يحكم المنافسة الجديدة أي قانون. وبغياب بديل عن تفاهم بالطا عطلت أيضا الأمم المتحدة وأصبحت عاجزة عن إصدار الحلول السياسية على الساحة الدولية؛ خصوصا بعد أن تخلت عنها الإمبراطورية. فقد احتلت العراق بلا تفويض أممي، وأنشأت تحالفة خاصة بها لمحاربة «داعش» ، كأن الأمم المتحدة غير موجودة
ثم إن روسيا عادت إلى الساحة التنازعها السلطة، ولو بطرائق ما زالت خجولة. وإلى جانبها ظهر المارد الصيني ليحتل المركز الاقتصادي الدولي الأول، سابقة بذلك الاقتصاد الأميركي، وشروط الصراع ما زالت غير واضحة، فالولايات المتحدة قلقة على مستقبلها، وإن كانت لا تزال القوة الأولى، السياسية والعسكرية، في العالم. لا يمكن للقلق إلا أن يولد شيئا من اللاعقلانية، فغماؤها لم يعودوا يقبلون هيمنتها، كما يظهر من الأحداث اليومية حول العالم. فهي قلقة لأن روسيا ضمت جزيرة القرم وتحدت واشنطن، ولم تستطع هذه الأخيرة) ردعها أو منعها. كذلك، فإن الصين تتحداها في الشرق الأقصى على جر المضائق المائية (1) التي كانت البحرية الأميركية تسيطر عليها بشكل كامل. لم تستطع الدولة العظمى أن تمنعها عن بناء التحصينات، أو أن تقنعها بتعليق أعمالها الإنشائية هناك، ولا حتى بالقبول بالتفاوض على الموضوع. على الرغم من أن واشنطن لا تزال تسيطر على القرار الدولي، إلا أن سيطرتها بدأت تواجه حدودة من صنف جديد، وضعتها قوي دولية منافسة، على رأسها روسيا والصين.
لقد حصلت مثل هذه الظاهرة من قبل، في أوائل القرن العشرين، عندما قامت بريطانيا العظمى (آنذاك) بتقييم وضعها، إذ شعرت أن قدرتها بدأت تتلاشى وأن في الأفق منافسين، منهم ألمانيا والولايات المتحدة؛ وأنهم لن يسمحوا لها بممارسة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منذ الربع الأول من عام 2015. راجع الخير في موقع رويترز: