الصفحة 222 من 352

سياستها بالطريقة نفسها التي كانت تعتمدها (1) . وبهذا المعنى، فإننا اليوم نتعامل مع الولايات المتحدة كأننا نتعامل مع بريطانيا منذ قرن كامل تقريبا، لتتحرى سوية نقاط ضعفها وقوتها، ونستشرف مستقبل تطور فرصها والأخطار التي تحيق بها.>

ويقودنا السؤال في الوقت نفسه إلى القدرات التي يمكن أن يطورها غريم الإمبراطورية لمواجهتها، في محاولته الدفاع عن مصالحه. فالدول العريقة في مواجهتها، مثل الصين وروسيا، قادرة على تطوير مسلكها السياسي بشكل يتناسب مع قدراتها، في إطار استراتيجيات مركبة الحساب. أما الشعوب التي لا قدرة لديها على مقاومة الهيمنة الأميركية، فتبقى بلا أمل في الحصول على حريتها أو استقلالها أو، في كثير من الأحوال، تكون عاجزة عن الدفاع عن مصالحها، أو حتى عن سيادتها. إن تسارع تنفيذ المسارات السياسة التي اعتمدتها الدول الكبرى يثير مزيدا من التساؤل عن قدرة الدول الصغيرة، مثل دول العالم العربي المشتتة، على الخروج من أزماتها. فالمسألة الأمنية ليست إلا زاوية ضيقة في دائرة الخطط التي تحاك لمثل هذه المناطق. قبعض هذه الأخطار، كما يظهر بوضوح ميدانية، تتهدد سيادة هذه الدول وربما وجودها. ولما كانت هذه الظاهرة جديدة، وتكاد تكون مستغربة، فإن كثيرة من القادة المحليين لم يستوعبوا جدية هذه الأخطار، مما أدى إلى تلكؤهم في الاستعداد لها.

إن الحرب الباردة الثانية» ما زالت قيد الإعداد. وقيادات كثير من الدول الصغيرة لا تزال غير قادرة على فهم أسباب تغير المشهد السياسي الدولي وعناصره. فقد تعودت تنظيم حساباتها السياسية على الأسس القديمة التي كانت سائدة أيام الحرب الباردة «الأولى» ، أي تلك التي كانت سائدة أيام الاتحاد السوفييتي. إلا أن قوانين اللعبة المتعلقة بالحرب الباردة «الثانية» لم تتضح بعد. إن الردع النووي الذي كان يهيمن على قرارات الطرفين سيبقي ساري المفعول الآن، بالتأكيد، إلا أن السياسات التي كانت مبنية على مبدأ سيادة الدول لم تعد موجودة. فالحرب الباردة

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الفصل الرابع: تشريح الإمبراطورية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت