الأولى كانت نتيجة تفاهمات صريحة ومضمونة. فقد اجتمعت قيادات الحرب في بالطا، وتقاسمت مناطق النفوذ، وتفاهمت فيما بينها على قواعد ممارسة الحرب والسلم، وكانت نتيجة هذا التفاهم أن امتنع الطرفان عن خوض الحروب في المناطق التي تفاهموا عليها، وحصروا منافستهم ومناكفاتهم ومناطق التوتر فيما بينهم على المناطق التي لم يتفاهموا عليها، أي دول العالم الثالث. أما اليوم، فقد بدأت الحرب الباردة «الثانية» ، لكن من منطلق آخر وعلى أسس جديدة. فهناك دولتان، هما روسيا والصين، ترفضان هيمنة واشنطن المطلقة، لاسيما على الدول والأراضي المحيطة بهما مباشرة، مثل أوكرانيا بالنسبة لروسيا والمضائق البحرية على ساحلها الجنوبي بالنسبة للصين. لم تنته المنافسة والمشاجرة بعد، ولم تجتمع الأطراف التدارس الأمور، ولم تحصل لقاءات تشبه لقاء بالطا من جديد. هذا يعني أنه لم يتم تحديد مناطق النفوذ ولا مناطق المنافسة والمشاجرة بعد. فكأن الطرفين قد قررا أن الوقت لم يحن بعد للتفاوض، أو أن الأوضاع على الأرض لم تنضج بعد لتوضيح الصورة للطرفين. وحتى ذلك التاريخ كل شيء مباح، ما دام ممكنة، وما دام لا يؤدي إلى اشتباك مباشر بين الدول الكبري.
إن الظاهر حالي أن أطراف النزاع بين دول الردع النووي) ما زالت مقتنعة أنها، كل على حدة، قادرة على تحقيق أعلى نسبة من أهدافها في مناطق الخلاف المباشرة، أكان مع الإمبراطورية وحلفائها أم مع روسيا والصين. والسؤال الذي يجب أن يطرحه الباحثون، وكذلك القادة السياسيون في الدول الصغيرة، هو عن الفترة الزمنية التي سوف تستمر فيها الخلافات بين الدول الكبرى قبل أن تتفاهم وتضع حدة لشمولية الخلافات الحالية. وكما سنرى، فإن أرضية الخلاف لم تعد مثلما كانت من قبل، فقد تعددت وتنوعت وتركبت مستويات الأسلحة المستعملة (بمعنى أنها ازدادت تعقيدا) ، وكذلك تنوعت أشكال التحالفات الجديدة وطبيعتها وأهدافها بين الأطراف المتنازعة.
إن هدف هذا القسم هو محاولة التقدم في البحث العام وفهم المكونات والقطع