مهيمنة على المشهد الاقتصادي الاجتماعي. وحسب البلد العربي، فإن نسبة سكان الريف إلى مجموع السكان كانت مرتفعة، وكانت تبلغ قرابة 40 بالمئة في لبنان، و 55 بالمئة في تونس، و 80 بالمئة في اليمن والسودان. هذا يعني أن أكثرية السكان كانوا بعيدين عن نظر السلطة واهتمامها، لا يمثلهم في العاصمة إلا أعيان وزعماء محليون سرعان ما يتماهون مع السلطة وخياراتها السياسية. أما الريف فكان بطبيعته مستقلا، أي بمعنى مكتفية بإنتاجه الزراعي، وبعيدا عن جو المدينة، ولم يكن يستدعيه التقدم المدني إلى مزيد من الاستهلاك. لم يكن يحتاج إلى التلفزيون أو البراد أو السيارة، ولا كان يفكر فيها. كانت حياته متوازنة، تتقارب فيها أو تتساوي حاجاته بالمقارنة مع استهلاكه.
إن الذي طرأ في الستينيات، ثم ازداد في السبعينيات والثمانينيات، هو الطفرة الهائلة في احتياجات المواطن. لم يكن ذلك نتيجة عملية تحريض، أو خطة جهنمية استعمارية. إنها مدخلة التقدم التكنولوجي التي لا يوقفها شيء. لقد أصبح المواطن الريفي، بكل بساطة، بحاجة إلى التلفزيون، ثم الهاتف، في كل منزل، ثم الأدوات الكهربائية المنزلية، ثم طالت السلسلة؛ وعلى رأس عناصرها، بلا شك، ازدياد وعيه بضرورة تعلم أبنائه. هذا ما جعل حاجة العائلة إلى التغيير ضرورية. فتعليم الأولاد في أذهان كثير من الأهل مسألة لا تقبل الجدل، والتغيير المطلوب لا يحتاج المشورة، والمال اللازم لذلك غير متوفر. كل ذلك يحتاج إلى المال، وهو غير متوفر في الريف. فاقتصاد العائلة الريفية متوازن، دون أن يكون مبنية على السيولة النقدية مثل وضع العائلة في المدينة. عافية العائلة الريفية، وسلاستها، وسهولتها، وسعادتها، لا تكمن في وزن أو حجم حسابها المصرفي، وإنما في اكتفائها الذاتي، أي في قدرة العائلات في عدد من القرى على تبادل البضائع والخدمات دون الحاجة إلى المدينة. وهكذا بدأت العملية الملحمية الطويلة التي لم تنته فصولا بعد؛ بدأت تارة ببيع قطعة أرض وإرسال «الولد» إلى الثانوية الموجودة في المدينة القريبة، وتارة أخرى إلى الجامعة في العاصمة البعيدة، ثم توالت حلقات المسلسل المعروفة
ليس لدى المواطن العربي اعتراض على التطور الاجتماعي الذي طرأ بنتيجة