ترك الحادث كله انطباعا قويا على ذهني، والذي لاشك فيه، أن الحكومات تسببت في إحداث قدر كبير من الضرر، في كثير من الأحيان، عندما فشلت في الموافقة، أو عندما جاءت موافقتها متأخرة، على الرأي العام. واقع الأمر، أنه ليس هناك من هو أحمق أو أضر أن يعارض المسئولون بلا سبب حاجز الإعاقة البيروقراطية المتمثل في آراء الجمهور الخارجي. إذا ما فعل المسئولون ذلك، فإنهم يصبحون معرضين للإطاحة بهم، ولكن المصادفات قد تحدث، وهذه المصادفات أصبحت أكثر حدوثا في أيامنا الديمقراطية الحالية وذلك على عكس ما كانت عليه من قبل، وفي مثل هذه المصادفات، فإن هذه الخدمات الممتازة التي يؤديها المسئول لبلاده، تضعه في تقابل مع الرأي العام. وهنا يمكن القول: إن مثل هذا المسئول إذا ما أحس يقينا بأنه على صواب فإنه يصبح من واجبه تأكيد ذلك للرأي العام، وبخاصة في المسائل التي لا يكون الرأي العام على دراية كاملة بها، وقد برزت مسألة من هذا القبيل عندما أصبحت هناك حاجة إلى إرسال الجنرال
غوردون إلى السودان. كان لابد من إقحام الكثير من الكراهية والادعاءات الكاذبة بغية إنقاذ الحكومة والأمة من ارتكاب خطأ جسيم من هذا القبيل. قيل بحق:"الرجل الذي لا يختلف مطلقا مع إخوانه المواطنين، والذي ينكمش أمام الكراهية، باعتبار أن هذه هي أسوأ الإخطار كلها، لا يمكن أن يكون له نصيب في قولبة تقاليد العنصر الذكوري، على الرغم من أنه قد تكون له تقاليده الخاصة في زمن من الأزمان (1) . و عليه أجد نفسي أعيد هنا، أنسي سأندم دوما لأني لم أصر على رأيي وأحافظ عليه، إلى أخر ما وسعني جهدي، وسوف أندم لأني لم أصر على اعتراضاتي على بعثة غوردون، لو كنت قد عرفت الجنرال غوردون حق المعرفة لما وافقت مطلقا على استخدامه."
(1) عن كتاب"الكسندر هاملتون"الذي ألفه أوليفر: ص 436.