يجيء الوقت الذي يصحو فيه الأوروبي فجاة من هذا الحلم، ويجد نفسه أمام عقلية غريبة تبدو كما لو كانت عقلية ساكن من سكان كوكب زحل (1) .
بقيت في مصر فترة من الوقت قبل أن أدرك مدى ضالة فهي الموضوعي؛ واكتشفت في آخر يوم من أيام مقامي في ذلك البلد، أني كنت اتعلم دوما شيئا جديدا. الزائر العابر لن يتيسر له التبصر الحقيقي في واقع الراي العام المحلي، بسبب اختلاف الدين و اختلاف طرق التفكير، أما فيما يتصل بي أنا شخصيا، فهو جهلي باللغة العامية (2) ، وكذلك فإن تحفظ الشرقيين عندما يتكلمون مع أحد من أصحاب السلطة، فإنهم يبدون ميلهم إلى الاتفاق مع كل من يتحدثون معه؛ بسبب افتقارهم إلى الاتساق الذهني والدقة، الذي يعد معلما فارقا بين الشرق المغالي غير المنطقي والغرب المنطقي، الذي أولى دراسة حياة الشرق وسياسته اهتماما كبيرا، هناك أيضا الحقيقة التي مفادها أن الدين في الشرق يتغلغل في الحياة الاجتماعية وقوانين وعادات وتقاليد الناس أكثر منه في أوروبا، يضاف إلى ذلك الحقيقة التي مفادها أن الاستدلال الأوروبي والشرقي، من المنطلقات نفسها، يصل في أغلب الأحيان إلى استنتاجات مختلفة تماما، كل هذه الظروف تكون عکس مصلحة الأوروبي عندما يحاول قياس الرأي العام الشرقي. وعلى الرغم من ذلك، فإن صعوبة الوصول إلى فكرة حقيقية عن التيارات التحتية في الراي العام المحلي ربما كانت أقل أهمية في مصر عنها في الهند. وأخص بالذكر هنا عدم وجود منظومة للطوائف الاجتماعية، وكذلك الحقيقة التي مفادها أن النسيج الاجتماعي والديني للإسلام والتي يفهمها الذهن الأوروبي طواعية هي
على العكس من الأسس الصوفية الغامضة للديانة الهندوكية، التي تزيد من اتساع الفجوة التي تباعد في الهند بين الأوروبي والمواطن الهندي، والتي
(1) بروفسور سايس، النقد العالي والآثار، ص 558.
(2) أنا أعرف التركية معرفة جيدة لكني لا أتكلم العربية.