وأنا أورد هنا مثالا واحدا على الصعوبات التي لابد من مواجهتها للوصول إلى تقدير حقيقي للإيرادات المصرية. واعتمادا على الأرقام التي كانت متيسرة في ذلك الوقت، قدر اللورد جوشن صافي متحصلات السكة الحديد بحوالي 900000 جنيه إنجليزي في العام. وبعد ذلك بفترة، اكتشف، أن هذه الإيرادات حتى لو قدرت بحوالي 300000 جنيه إنجليزي في العام تعد أيضا خيالية و غير واقعية. ففي المقام الأول، كان هناك مبلغ كبير بدفع كل عام لتحريك ونقل القوات، وهذا البند، من وجهة النظر الحسابية الجيدة كان لابد من تسجيله على أنه معاملة داخلية بين إدارات مختلفة. وفي المقام الثاني، اكتشف جوشن، أن أي فرد من أفراد أسرة الخديوي، أو أي ص ديق من أصدقائه، وأيضا جماعة أصحابه، عندما كان يريد السفر بالسكة الحديد، لم يكن يستعمل القطارات العادية. وأنهم كانوا يطلبون قطارات خاصة لا يدفعون نظيرها أي شيء، وكانوا يكتفون بالتوقيع على وثيقة اسمها رجاع ragaa، تفيد أن القطار مطلوب للخديوى وأن أجرة ذلك القطار ستكون على حساب الخديوي. وبطبيعة الحال لم تكن تلك المبالغ تسدد إلى إدارة السكة الحديد. و على الرغم من ذلك فإن هذه المداخل الدفترية كانت تعامل كما لو كانت إيرادات حقيقية في الأرقام التي قدمت للورد جوشن.
وقد أوضح ذلك، أنه في ظل الظروف التي من هذا القبيل، فإن المتطلبات المبدئية التي يتعين أن تسبق أية محاولة لإصلاح المنظومة المالية، تتمثل في إدخال النظام إلى إدارة الحسابات. وقد اضطلع السير جيرالد فيتزجرالد بهذه المهة، إذ بذل الرجل جهدا خارقا في التغلب على المصاعب الكبيرة التي واجهته. وقد أصبحت إدارة الحسابات المصرية منظمة تنظيما جيدا الآن، وسيكون من الصعب المبالغة في أهمية هذا الإنجاز. ويعد السير جيرالد فيتزجرالد أبرز أولئك الإنجليز الذين أسهموا بعلمهم الدانب وبلا فخر،