الصفحة 386 من 1372

أحس السلطان بالقلق مخافة أن يحدق الخطر بحقوقه في الحكم المطلق. كانت السياسة التركية كعادتها متأرجحة و غير متماسكة. ألا يجب عزل الخديوى؟ لا، ألم تتهيأ الفرصة الآن لتحقيق الحلم الذي سيطر على أذهان الساسة الأتراك، منذ أن كسب محمد على له ولأسرته الملكية من بعده وضعا شبه مستقل؟ لقد أساء خلف محمد على إلى سلطته إساءة مخزية. كان شعب مصر يتأوه تحت نير حكمه. لم تكن أوروبا راضية عنه. ألا يمكن تصحيح ذلك كله عن طريق إلغاء الفرمان بإرسال حاکم ترکي، تقف وراءه مجموعة من الكتائب العثمانية القوية، ليقوم بحكم البلاد؟ همست الدبلوماسية المهتمة بالأمر، والتي ترتدي ثوب الصديق المخلص قائلة: هذا صحيح، لكن ألا يعد هذا التدخل الأوروبي خطيرا إلى حد ما؟ ألا يمكن تطبيق مبدأ العزل بسبب سوء الحكم في مكان آخر؟ ألم يكن بوسع الرأي العام، الذي كان قويا في ذلك الوقت، تطبيق المعيار الهوراشي Horation maxim، ويعترض بان الكثير من هذه الأشياء، التي قالها أعضاء لجنة التحقيق عن مصر يمكن، بعد تغيير الاسم، تطبيقها في أجزاء أخرى من الممتلكات العثمانية؟ كان لهذه الحجة وزنها، ومن وجهة النظر هذه، قد يكون من الأفضل تهنئة الخديوي على موقفه الشجاع هذا، بل وتشجيعه على عناده في رفض تعيين وزراء أوروبيين. لكن تلت ذلك غمغمات دبلوماسية منافسة. كيف سيكون موقف السلطان، إذا ما قامت الدولتان الغربيتان، بعد استشارة ش كلية لإستنبول، بعزل الخديوي إسماعيل من تلقاء نفسيهما؟ لو حدث ذلك، سيرى العالم ويفهم أن الهيمنة التركية على مصر لم تكن سوى مجرد تعبير دبلوماسي، وعليه، إذا لم يحدث ذلك، فالأفضل للدولتين أن تقوما على الفور بمنع الأخرين من اتخاذ أي إجراء؟ في ظل كل هذه الظروف، ربما كانت أحسن الخطط امام الحاكم الغاضب، الذي اضطر بحكم الضرورة إلى التحدث بلغة الحضارة، ولكن مبادئه عن الحكم المدني كانت شبيهة تماما بمبادئ أسلافه المحبين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت