ليس هناك شك في أن الخديوي تصرف تصرفا حكيما عندما رفض المقترحات المقدمة له من شريف باشا. ذلك أن أي تشكيل وزاري لابد وأن يكون بحكم الضرورة في تلك الأيام، مجرد شكل من أشكال الديكور المسرحي (1) . هذا يعني أن نظام الحكم الوحيد الذي يناسب مصر، هو النظام الإقطاعي المستبد، لكن يتعين لذلك النظام أن يكون خيرا، الأمر الذي يستلزم وضعه تحت السيطرة الفاعلة إلى حد ما، كان لابد لطك السيطرة ان تتجلي بشكل أوضح في اختيار الأفراد الذين عهد إليهم بالسلطة أكثر من أية محاولة أخرى من محاولات نسخ المؤسسات الأوروبية، التي لم تكن مناسبة السلوكيات وتقاليد الشعب من ناحية، وحال المجتمع الموجود في مصر في ذلك الوقت من ناحية أخرى، وعلى الرغم من ذلك، فإن الموقف الذي كان يقفه شريف باشا في ذلك الوقت كان جديرا بالتعاطف معه. كان شريف باشا
(1) كانت نظم الحكم المفضلة في ذلك الوقت بين كثيرين ممن يفضلون، أو يتظاهرون
بتفضيل حكومة دستورية، يمكن الحكم عليها من البيان الذي صدر من الشيخ محمد عبده في العام 1903 إلى السيد/ ولفريد سكاون بلفت التاريخ السري للاحتلال الإنجليزي لمصر، ص 403) (*) . قال الشيخ محمد عبده: بن سلطان باشا وعد بإحضار التماسات من كل عضو من أعضاء مجلس النواب في مصر، وأن كل هذه الالتماسات ستكون مؤيدة للدستور. كان ذلك الكلام صحيحا، لأن العمد كلهم كانوا غاضبين من رياض باشا لأنه عطل سلطتهم في الإفادة من عمالة السخرة. هذا يعني أن رياض باشا الذي كان مفترضا أن يكون ممثلا إلى حد ما الحكم الشخصي المتطرف، كان يحاول إلغاء نظام السخرة الجائر، في الوقت الذي كان الدستوريون فيه، يتطلعون إلى تأكيد استمرار وجود نظام السخرة، من خلال إدخال المؤسسات الليبرالية. (*) هذا الكتاب من منشورات المركز القومي للترجمة، في جمهورية مصر العربية، وهو من ترجمة الدكتور/ صبري محمد حسن