وأخرج الترمذي عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [الحجرات: 4] ، قال: فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن حَمْدِي زَيْنٌ، وإن ذَمِّي شَيْنٌ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ذاكَ اللهُ ) ).
والمعنى أن هذا الرجل يمدح نفسَه ويُظهر عظمتَه، ويقول: إن مدحتُ رجلًا فهو محمودٌ ومزين، وإن ذممتُ رجلًا فهو مذموم ومعيب.
-هجاء الكافر والفاسق:
مرَّ بنا في تعريف الهِجاء أنه ما وُصِفَ به الإنسان من الأخلاق الذَّميمة شِعْرًا؛ وهو منهيٌّ عنه شرعًا، لكنه يجوز في حقِّ الكافر أو الفاسق.
فقد أخرج الإمام البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( اهجُوا قريشًا؛ فإنَّه أشدُّ عليها من رشقٍ بالنَّبْلِ ) )، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: (( اهْجُهُم ) )، فهجاهم فلم يُرْضِ، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثمَّ أرسل إلى حسَّان بن ثابت، فلما دخل عليه، قال حسان: قد آن لكم أن تُرسِلوا إلى هذا الأسد الضَّاربِ بِذَنَبِه، ثم أَدْلَعَ لسانه فجعل يُحَرِّكُهُ، فقال: والذي بعثك بالحق، لأفْرِيَنَّهُمْ بلساني فَرْي الأديم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تعجل؛ فإنَّ أبا بكر أعْلمُ قريشٍ بأنسابها، وإنَّ لي فيهم نسبًا، حتى يُلَخِّصَ لك نسبي ) )، فأتاه حسَّانُ، ثمَّ رجع، فقال: يا رسول الله، قد لَخَّصَ لي نسبَك، والذي بعثك بالحق لأَسُلَّنَّكَ منهم كما تُسَلُّ الشَّعرةُ من العجين، قالت عائشة: فسمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: (( إنَّ رُوحَ القُدُس لا يزالُ يُؤَيِّدُكَ ما نافحتَ عن الله ورسوله ) )، وقالت: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( هجَاهُم حسَّانُ فشَفى واشْتَفى ) ).
قال حسان رضي الله عنه:
هجَوتَ مُحمدًا فأجبتُ عنه = وعند الله في ذاك الجزاءُ
هجوتَ مُحمَّدًا برًّا تقيًّا = رسول الله شيمتُه الوفاءُ
فإنَّ أبي ووالدَه وعِرْضي = لعِرْض مُحمدٍ منكم وقاءُ
ثكلتُ بُنيَّتي إن لم ترَوْها = تُثيرُ النَّقع مِن كنفَيْ كَدَاء
يُبارين الأعنَّة مُصعداتٍ = على أكتافها الأَسَلُ الظِّماءُ
تظلُّ جيادُنا مُتمطِّراتٍ = تُلطِّمهنَّ بالخُمُر النِّساءُ