وفي"مسند الإمام أحمد"عن أبي أمامة رضي الله عنه قال:"لمَّا نزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ ... } الآية، كنَّا قد اتقينا أن نسأله صلى الله عليه وسلم، فأتينا أعرابيًّا فرشوناه برداءٍ، وقُلنا: سل النبيَّ صلى الله عليه وسلم".
وعن البراء رضي الله عنه قال:"إن كان ليأتي عليَّ السَّنَةُ أُريد أن أسأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الشيء فأتهيَّب، وإن كنَّا لنتمنَّى الأعراب"؛ أي: قدومهم ليَسألوا، فيَسمعوا هم أجوبة سؤالات الأعراب، فيستفيدوها"؛ (عزاه الحافظ في"الفتح": 13/ 266 إلى أبي يعلى) ."
وأمسك الصحابةُ رضي الله عنهم عن السؤال حتى جاء جبريل عليه السلام، فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والسَّاعة، وأماراتها، ثمَّ أخبرهم صلى الله عليه وسلم أنَّه جبريل، وقال: (( هذا جبريل أراد أن تَعْلَمُوا [1] ؛ إذ لم تسألوا ) )؛ (رواه الإمام مسلم) .
قال القاسمي رحمه الله:"وأمَّا ما ثَبت في الأحاديث من أسئلة الصحابة، فيحتمل أن يكون قَبل نزول الآية، ويحتمل أنَّ النَّهي في الآية لا يتناول ما يُحتَاج إليه مما تقرَّر حكمه، أو ما لهم بمعرفته حاجه راهنة؛ كالسؤال عن الذبح بالقَصَب، والسؤال عن وجوب طاعة الأمراء إذا أَمروا بغير الطاعة، والسؤال عن أحوالِ يوم القيامة وما قبلها من الملاحم والفتن، والأسئلة التي في القرآن: كسؤالهم عن الكَلالة، والخمر، والميسر، والقتال في الشهر الحرام، واليتامى، والمحيض، والنساء، والصيد ... ، وغير ذلك، لكن الذين تعلَّقوا بالآية في كراهية كثرة المسائل عمَّا لم يقع، أخذوه بطريق الإلحاق؛ من جهة أنَّ كثرة السؤال لمَّا كانت سببًا للتكلِيف بما يشق، فحقها أن تُجْتَنب". اهـ؛ (محاسن التأويل: 6/ 2173) .
-الآثار في ذمِّ كثرة السؤال:
عن عكرمة أنَّ ابن عباس رضي الله عنهما قال:"انطلِق فأَفْتِ الناس، وأنا لك عون، قلت: لو أنَّ هذا الناسَ مثلهم مرَّتين لأفتيتُهم، قال: انطلِق فأفتِهم، فمَن جاء يسألك عمَّا يعنِيه فأفتِه، ومَن سألك عمَّا لا يعنيه فلا تُفتِه؛ فإنَّك تَطرح عنك ثلثَي مُؤْنة الناس"؛ (سير أعلام النبلاء: 5/ 14) .
(1) تضبط"تَعْلَمُوا"و"تَعَلَّمُوا"؛ أي: تَتَعَلَّمُوا.