مهما وقف المسلمون مع سيرة سيد الأولين والآخرين رسول الله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، فلن يُشبعوه بحثًا ودرسًا، وحِكمًا مستقاة، وعبرًا مستفادة، في الوقت الذي أنصفه المنصفون من غير المسلمين، وسطروا إعجابهم به، سواء اعترفوا به نبيًّا ورسولًا أم لم يعترفوا به، ولا ينتظر المسلم من غير المسلم أن يعترف بنبوة سيد البشر صلى الله عليه وسلم، وإلا لأمكن أن يكون مسلمًا، وهو لا يريد أن يكون كذلك، وإن ظهرت تسمية نبي ورسول الإسلام في بعض الكتابات، ولكن المسلم ينتظر من الآخرين ألا يسيئوا إلى نبي من أنبياء الله تعالى ورسله كلهم، ناهيك عن أن تكون هذه الإساءة لخاتم الأنبياء محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.
لا ينتظر المسلم، كذلك، أن تسقط أفعال أتباع رسول الله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم عليه هو، وعلى ما جاء به من هدي، فما جاء به - عليه الصلاة والسلام - من هدي هو الذي يسقط على أفعال أتباعه، فما وافق الهدي كان تابعًا له، وما خالفه كان خارجًا عنه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو رد ) ) [1] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد ) ) [2] .
فما يقوم به الناس المسلمون على مر التاريخ الإسلامي ليس حجه على الإسلام، وعلى نبي الإسلام، ولكن الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم حجة على ما يقوم به المسلمون، وبالتالي فإن اتهام سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم بما يتهم به بعض أتباعه، على مر العصور، لا يستند على منطلق منطقي يقبله العقل، وتقره الممارسات الحضارية.
لقد كانت هذه الوقفة حول سيد الثقلين صلى الله عليه وسلم؛ لأن المتنفذين من رجال الدين في الملل الأخرى قد تعرضوا بالهجوم على المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهم المحسوبون بين قومهم، ممن يتوقع منهم أن يعوا التاريخ، ويحكموا عليه بقدر من الإنصاف الذي يرشدون إليه، لا سيما أنهم يخرجون أسبوعيًّا على الفضائيات، خاصةً صباح كل أحد، عدا عن المواقف الوعظية، التي يجتمع لها الناس في الملاعب الرياضية والأماكن العامة، التي تستوعب عشرات الآلاف، يقفون أمامهم يدعون إلى الفضيلة، وإلى السماحة، وإلى تبني تعاليم المسيح عيسى ابن
(1) رواه مسلم في كتاب الأفضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد المحدثات، حديث رقم 3342.
(2) رواه البخاري في كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، حديث رقم 2499، ورواه مسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد المحدثات، حديث رقم 3343.