الصفحة 6 من 32

الوقفة الأولى: طبيعة البحث في السيرة

مع استمرار الكيد للمصطفى صلى الله عليه وسلم على مر السنين والقرون تظل سيرته - عليه الصلاة والسلام - مليئة بالعبر والحكم والأمثلة، التي تجسد القدوة الصالحة: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] ، وهي لا تزال موضع بحث ودراسة، على مستوى الدراسات العلمية في الجامعات والكليات والمعاهد العليا، وعلى مستوى الدراسات الثقافية والفكرية، وعلى مستوى الأفراد الذين يسهمون في النهضة الثقافية التي يعيشها المسلمون اليوم بفضل من الله تعالى.

تظل سيرته - عليه الصلاة والسلام - منهلًا عذبًا للاقتداء والتأسي به صلى الله عليه وسلم، فهي لا تدرس كما تدرس سير العظماء والأبطال ورجال التاريخ، بل إن دراستها تدخل في وجه من وجوه العبادة، التي تجعل من سنته صلى الله عليه وسلم وسيرته مثلًا يحتذى، فلم يكن صلى الله عليه وسلم ينطق عن الهوى، إنما كان ينطق عن وحي يوحى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] ؛ ولذا تنفرد هذه السيرة العطرة بأنها أكثر من مجرد أحداث تمر على الأفراد، وتسجل لبيان عظمتهم في التاريخ، وتغفل بعض خصوصياتهم، بل إنها لسيرة شاملة في الأمور العامة والخاصة، حتى ليقال: إنه كان صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الموقف يفعل كذا، وفي ذاك الموقف يفعل كذا، ليفعل المسلمون كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم في أمور دينهم ودنياهم، مهما تعددت الوسائل واختلفت الطرق، وتنوعت الأساليب، التي يقتضيها الزمان والمكان [1] .

لذلك حفظت هذه السيرة العطرة بالتدوين منذ مرويات عروة بن الزبير بن العوام عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق، ثم تدوين ابن إسحاق، فابن هشام، ثم تستمر التدوينات عن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، مما يستدعي قيام قاعدة معلومات تحصر فيها المدونات، المطبوعة والمخطوطة، وباللغات المختلفة، هذا ما دعت إليه التوصية الثامنة عشرة من توصيات ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة النبوية، السالف ذكرها.

(1) انظر: الحسين بن محمد آيت سعيد، السنة النبوية وحي من الله محفوظة كالقرآن الكريم، 75 ص، في: ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة النبوية، المدينة المنورة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، 1425 هـ/ 2004 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت