فهرس الكتاب
قالت الفلاسفة لو قدر وراء كرة العالم الذي نحن فيه كرة عالم آخر: فإما أن يكون بين الكرتين خلاء، أو ملاء.
لا جائز أن يقال: بالأول؛ لما يأتى في بيان امتناع وجود الخلاء «2»
وإن كان/ الثانى فلا بد وأن يكون الكل محاطا بمحدد واحد للجهة الفوقية؛ لما سبق تحقيقه في الأجسام المتناهية؛ ولا بد له من مركز؛ وهو نقطة ملتقى العالمين، أو ما بينهما.
وعند ذلك: فإن كان كل جسم من الأجسام الموجودة تحت المحيط في حيزه الطبيعى؛ فيلزم أن يكون كل واحد منهما له حيزان طبيعيان تحت محدد واحد، وهو محال؛ لما تقدم «3» .
وإن لم يكن طبيعيا: فهو مقسور عن مكانه الطبيعى له وليس شيء من الأجسام يقوى على قسر الأرض عن حركتها إلى الوسط؛ إذ هى الثقيل المطلق كما سبق «4» .
(1) لمزيد من البحث والدراسة انظر المواقف للإيجي ص 256: المقصد الثامن: قال الحكماء: الخ وانظر شرح المواقف للجرجانى 7/ 250. المقصد الثامن: جواز وجود عالم آخر. جوز المتكلمون وجود عالم آخر مماثل لهذا العالم؛ لأن الأمور المتماثلة تتشارك في الأحكام. وإليه الإشارة في الكلام المجيد أَ ولَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [يس: 81] .
(2) الخلاء: هو البعد المفطور عند أفلاطون؛ والفضاء الموهوم عند المتكلمين: أى الفضاء الّذي يثبته الوهم، ويدركه من الجسم المحيط بجسم آخر: كالفضاء المشغول بالماء، أو الهواء في داخل الكوز. فهذا الفراغ الموهوم هو الّذي من شأنه أن يحصل فيه الجسم، وأن يكون ظرفا له عندهم.
وبهذا الاعتبار يجعلونه حيزا للجسم، وباعتبار فراغه عن شغل الجسم إياه يجعلونه خلاء.
فالخلاء عندهم هو هذا الفراغ مع قيد أن لا يشغله شاغل من الأجسام؛ فيكون لا شيئا محضا؛ لأن الفراغ الموهوم؛ ليس بموجود في الخارج؛ بل هو أمر موهوم عندهم؛ إذ لو وجد؛ لكان بعد مفطورا؛ وهم لا يقولون به.
والحكماء ذاهبون إلى امتناع الخلاء. والمتكلمون إلى إمكانه.
[التعريفات للجرجانى ص 112، 113] .
(3) راجع ما مر ل 30/ أ.
(4) راجع ما مر ل 38/ ب.