فهرس الكتاب

الصفحة 690 من 2175

[حجة أخرى لبعض الأصحاب]

وقد تمسك بعض أصحابنا: في جواز التكليف بما لا يطاق بقوله- تعالى-: رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ «1» . ووجه الاحتجاج به أنهم سألوا دفع التكليف بما لا يطاق، ولو كان ذلك محالا في نفسه؛ لكان مندفعا بنفسه من غير حاجة إلى السؤال في دفعه؛ فحيث سألوا دفعه دل على كونه جائزا.

[قد يرد عليها أسئلة]

فإن قيل: لا نسلم أن الآية ظاهرة في سؤال «2» دفع «2» التكليف بالمحال؛ فإنها إنما تكون ظاهرة فيه أن لو كان التكليف بالمحال ممكنا؛ لأنه إذا لم يكن ممكنا؛ فيكون مندفعا بنفسه كما ذكرتموه ولا حاجة إلى سؤال دفعه.

وعند ذلك: فيتوقف إمكان التكليف بالمحال على كون الآية ظاهرة فيه، ويتوقف ظهورها فيه على كونه ممكنا؛ وهو دور ممتنع.

سلمنا أنها ظاهرة في دفع التكليف بالمحال؛ ولكن يحتمل أن يكون المراد إنما هو دفع ما فيه كلفة، ومشقة على النفس. ولهذا يصح أن يقال لمن كلف عبده ما شق عليه مشقة مفضية إلى هلاكه، كلفه ما لا طاقة له به. ويدل عليه أول الآية وهو قوله- تعالى-: رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا «3» والمراد بالإصر «4» : ما فيه ثقل ومشقة، هكذا قال أهل اللغة.

سلمنا أن المراد به تكليف المحال؛ ولكن ليس فيه ما يدل على جواز التكليف بالمحال؛ إذ هو حكاية حال الداعين، ولا حجة في قولهم، ولو صرحوا بالجواز.

سلمنا صحة الاحتجاج بقولهم؛ ولكن لا يخلو: إما أن يقولوا بأن كل تكليف تكليف بما لا يطاق، أو بعض التكاليف، دون البعض.

فإن كان الأول: فالسؤال يكون لدفع كل تكليف، ولا فائدة في «5» التخصيص «6» بما لا يطاق.

وإن كان الثانى: فالتكليف: إما تكليف عاجز، أو غير عاجز، فما يطاق إما تكليف العاجز، أو من ليس بعاجز.

(1) سورة البقرة 2/ 286.

(2) فى ب (دفع سؤال) .

(3) سورة البقرة 2/ 286.

(4) فى ب (من الإصر) .

(5) فى ب (به) .

(6) فى ب (للتخصيص) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت