بدين الدولة والاستخفاف بعقيدة أهلها، ورسم طريق الجرأة لغيره من المنافقين ليُظهِروا نفاقَهم ويُشكِّكوا الضعاف في عقيدتِهم، وهذه كلها جرائم، وقد قصَّ علينا القرآنُ الكريم من مواقف أهل الكتاب ما يؤكد هذه المعاني: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72] ، وحدُّ الردة يُغلِق الباب أمام مَن يريد إفساد الإسلام من داخله أو التجسس عليه، وقد عانى الإسلام كثيرًا ممن أخفَوا الكفر وأظهَروا الإيمان.
عقوبة الإعدام من أقدم العقوبات، ومنذ القرن الثامن عشر بدأ بعض الكتَّاب يعترضُ عليها ويطالب بإلغائها، ثم تراجعت حركةُ الإلغاء في بعض الدول تحت تأثير العوامل السياسية ونُظُم الحكم الداخلية والاعتبارات المحلية، ولا يزال كثيرٌ من التشريعات يقرر عقوبة الإعدام؛ مثل التشريع الفرنسي، والتشريع السوفييتي، وهناك تشريعات ألغت عقوبة الإعدام مثل التشريع النرويجي، والسويدي، والنمساوي، والدنماركي، ولكن كثيرًا من التشريعات التي ألغت عقوبة الإعدام عادت فقرَّرتها حينما شعرت بالحاجة إليها، ومن ذلك التشريع الإيطالي الذي ألغاها عام 1930، ثم عاد إلى إقرارها مرة أخرى عام 1947، والتشريع السوفييتي الذي ألغاها عام 1947، ثم عاد إلى إقرارها عام 1958 في قانون العقوبات الاتحادي.
وهكذا تضطرُّ التشريعات البشرية إلى التغيير؛ لأن نظرتَها قاصرةٌ، ولأنها تتأثَّر بأوضاع المجتمع المختلفة، على عكس التشريع الإلهي، وإذا كان الإعدام - كما يرى بعض المتحضِّرين - وهو يوقع على مجرم يتَّسِم بالقسوة والبشاعة، فإن الاعتداء على المجني عليه وهو شخص بريء، يكون أشدَّ قسوة وأكثر بشاعة.
والإسلام يُبيِّن السبب في صورة واضحة بقوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] ، ويُبيِّن فرض حدِّ القِصاص في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] .
والقرآن الكريم يعتبرُ القتلَ جريمةً كبرى، ويتوعَّد فاعله بأشد ألوان العذاب والعقاب، فيقول: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] ،