الصفحة 31 من 33

والإسلام يُحدِّد المواطن التي يُعاقَب فيها بالقتل، وقد حدَّدها النبي الكريم في قوله: (( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيِّب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) )؛ متفق عليه، وبهذا التحديد صار المسلمُ في المجتمع الإسلامي - الذي يحكم بالإسلام - يعيش في أمن وأمان، ولكنه تحت لواء المدنيَّة الحديثة يلاقي ما يلاقي لسبب أو لغير سبب، وإذا كان المسلم في ظل المجتمع الإسلامي يحرم على الجميع انتهاك ماله أو عِرْضه أو دمه، فإنه تحت لواء المدنية الحديثة لم يعُدْ يحس بشيء من ذلك كله.

وحين نُطبِّق الحدود الإسلامية وتُسدُّ المنافذُ أمام الشفاعة والمحسوبية، فإننا نكون بذلك قد أقمنا سورًا منيعًا لا يُفكِّر في اقتحامه إلا صنفٌ شاذّ التكوين من البشر، أو شاذ الدوافع، وهم قلة، وحينئذٍ تقوم الحدود بعلاجهم العلاج المناسب لجرائمهم.

تهتمُّ كل دولة بأن يسودَ الأمن مجتمعَها، وهذا يدل على نجاحها في إدارة دفَّة الأمور، وفي صلاحية القوانين السائدة فيها؛ ولذلك فإنها تُعلِن عادةً في نهاية كل عام عن حالة الأمن فيها، وحين ينخفضُ معدَّل الجريمة تُهلِّل الحكومة - ومعها كل وسائل الدعاية والإعلام - لأن الدولة قد تمكَّنت من زيادة الأمن فيها للأفراد وحماية حرمات الناس وضبط المجتمع، ومعنى ذلك أنها نجحت في عملِها بمقدار ما حقَّقت من الأمن، وإلا فإن النظام الموجود في الدولة قاصرٌ عن تحقيق الأمن للأفراد والمجتمع، فتزيد أجهزة الأمن في الوسائل التي يستخدمونها لمراقبة المجرمين، والمجرمون بدورهم يقيمون أجهزةً مضادَّة لأجهزة الأمن ترصد حركاتها، وتقاومها، وتصيب من أفرادها بمقدار تعرُّضها لهم، بل إنها قد تقفُ أحيانًا متحدِّية لكل أجهزة الأمن، ولعل هذا هو الذي أوجد عصابات النشل والسرقة بالإكراه، والاختطاف، والغصب، والسطو الجماعي، والاغتيالات التي تُعرَف أسبابها أو التي لا تُعرَف، مما هو موجود في المجتمعات المعاصرة، ولا يوجد في المجتمعات التي تطبق الحدود في قديم الإنسانية أو حاضرها.

وقد لُوحِظ أن المجتمع الذي تُطبَّق فيه الحدود الإسلامية يتمتَّع أفراده بتوازنٍ نفسي من نوع يُرِيح ويُطمئن، ويجعل طاقاتِ الأفراد تتحوَّل إلى البناء والعمل المنتج؛ إذ لا يوجد للأفراد ما يصرفُ القوى الجسمية والنفسية عن مسالكِها السليمة، وبذلك تُصبِح قواهم الجسمية والنفسية والمالية سليمة، فيُقبِلون بها على البناء؛ وبذلك تُهيِّئ الحدودُ الإسلامية مناخًا حرًّا يتنفَّس فيه مَن عرَف كيف يحترم حريات الآخرين، وفي الوقت نفسه تُضيِّق الخناق، وتطارد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت