الصفحة 15 من 33

كما بيَّن أن قتل النفس جريمةٌ كبرى جزاؤها جهنم عند الله: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] .

والرجلُ الذي يريد أن يقتل حين يعلم أن جزاءه القتل فإنه سيتردَّد مرة ومرات قبل أن يُقدِم على جريمته، والقرآن نصَّ على أن القِصاص فيه حياة للناس؛ لـ (أنهم كانوا يعقلون هذه المعاني، ولكن القاتل إذا علِم أن سيعاقب بعقوبة أقل، فإنه سيندفع إلى ارتكاب الجريمة بإصرار وعنف أكبر، حتى ولو كانت العقوبة هي السجن المؤبد، وقد أصبح من الأقوال المأثورة في بعض البلاد الإسلامية:"سأقتلك وأروح فيك مؤبد"؛ أي: إن هذه العقوبة هينة، وهو مستعد لأن يتحملها) .

وفي بعض البلاد الإسلامية التي لا تُطبِّق القانون الإلهي نجد أن أهالي القتيل يتولَّون الأخذ بالثأر عندما يجدون أن العدالة لم تقتصَّ لهم، واعتقادًا منهم بأن الأحكام التي وردت في القوانين الوضعية لا تشفي غليلهم، ويستمر الثأر من هذه الأسرة ومن تلك، وتحدث مجازر يتولَّى الجيش أحيانًا الوقوف بين الفريقين المتنازعين لوضع حدٍّ لهذه الأمور، وقد يدخل معهم في معركة يقتل فيها العديد من جميع الأطراف.

ولكن القِصاص في الإسلام يُحقِّق العدالة بين الناس، كما يُحقِّق الأمن للفرد والمجتمع، إلى جانب الراحة النفسية، والرسول الكريم يُبيِّن لنا رأيَ الإسلام في قتل فردٍ واحد بدون حقٍّ، وذلك حين يقول: (( لزوالُ الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم ) )؛ رواه مسلم، بل إن تخويف المسلم حرام؛ يقول الرسول الكريم: (( لا يحلُّ لمسلم أن يُروِّع مسلمًا ) )؛ رواه الطبراني.

والقتل من الحدود الإسلامية التي راعى الإسلام فيها حق الله وحق ولي الدم، وقد رجَّح الإسلام جانب مصلحة ولي الدم على جانب مصلحة المجتمع؛ ولهذا فقد أعطى الإسلام وليَّ الدم حق توقيع العقوبة أو العفو عنها، وفي هذه الحالة يجوز للقاضي التعزير، ويكون لأولياء الدم الدِّيَة، والتشريعات الحديثة تعتبرُ القتل حقًّا للمجتمع، مع أنه أساسًا يقع على المجني عليه وعلى أهله، وتمكينهم من القصاص أو العفو يُطفِئ غلَّتَهم ويريح أنفسهم.

الإسلام يحترم عقل الإنسان الذي يتميَّز به على سائر مخلوقات الله، وبوساطته يُحقِّق رسالته في هذه الحياة، والمسلم ليس حرًّا في نفسه يفعل بها ما يشاء؛ لأنه ليس ملكًا لنفسه، بل هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت