وهنا أنقل باختصار هذه العوامل الخاصة التي أدت بالنظام للقول بالصرفة، من ما سطره عبد الرحمن الشهري [1] :
فبعد أن ثبت أن النظام هو مبتدع هذه النظرية في التاريخ الإسلامي، فنقف مع الأسباب التي دفعته للقول بهذا، لأن الأقوال لا تظهر فجأة، وإنما لها أسباب خارجية وداخلية، والقول بالصرفة له أسباب عقدية وفلسفية دفعت النظام للقول بها، وجعلها وجه من وجوه الإعجاز عنده وعند من وافقه، وهذه الأسباب على النحو التالي:
أولا: أسباب عقدية: ارتبطت نشأة القول بالصرفة للمعتزلة، والنظام رأس من رؤسهم، وفرقة المعتزلة، لها أثر على النظام، الذي قال بالصرفة، حيث أن المعتزلة لهم أصول خمسة تدور فرقتهم عليها، وهي التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يكون الشخص معتزليا إلا إذا جمعها كلها، والمعتزلة قائمة على ردود الأفعال، فكل أصل هو ردة فعل على فرقة من الفرق المخالفة، وكذلك اعتمادهم المطلق على العقل، وتقديمه على النص، ولتقديمهم العقل على النص نتج عنه قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين، ومعناه أن العقل قادر على التحسين والتقبيح قبل ورود الشرع، وبعضهم عزا قول النظام بالصرفة إلى هذا الأصل، فمن وجهة نظره، العقل لا يحيل العرب أن يأتوا بمثل القرآن لولا أن الله صرف هممهم، فجعل النظام ما رآه العقل حكما في هذه المسألة وهو الفصل فيها، وأمر أخر وهو تعظيم أمر المصلحة، وهي المقصد الذي يدركه العقل بعد التعليل وهي خلاصة معاني الألفاظ، وهذا يؤدي في النهاية إلى اعتبار خلاصة النصوص ومعانيها دون الالتفات إلى نظمها وأسلوبها، والنظام تنكر عن أن يكون الأسلوب والنظم معجزا، ويكون نتيجة القول بالصرفة، أن تثبت الإعجاز للمعنى دون اللفظ.
(1) - باختصار وتصرف، انظر الشهري، د. عبد الرحمن بن معاضة، القول بالصرفة في إعجاز القرآن، دار ابن الجوزي، (ط 1، 1432 هـ،) (ص 40 - ص 54) .