المبحث الثاني
نشأة القول بالصرفة وفيه:
المطلب الأول: تاريخ النشأة.
إن مما يجب التأكيد عليه هو أنه لم يصلنا شيء عن الصرفة من كلام السلف أصحاب القرون الأولى الفاضلة، بل لم يؤثر عن أحد منهم، ولم ينقل عن أحد من أهل السنة بمفهومه الخاص [1] شيء يذكر، وإنما نقل وتم تداوله عن العديد من أهل الكلام وأتباع الفرق المختلفة، مما سيأتي بيانه قريبا.
وقبل الولوج في بيان منشأ هذا القول وانتشاره بين المسلمين، أحب التعريج والتنبيه على أن القول بالصرفة عزاه بعضهم إلى أن منشأه كان بعيدا عن البيئة الإسلامية، ومن ثم انتقل إلى بيئة المسلمين لعدة أسباب وعوامل بعضها مرده البيئة الفكرية والجو العلمي والمعرفي العام وما نتج عنه من حركة الترجمة، وبعضه مرده إلى الأشخاص ذواتهم، وبعضها الأخر مردها نوايا أصحاب هذه الأقوال.
أما ما كان مرده إلى البيئة الفكرية والجو العلمي والمعرفي العام، فمعروف أن القول بالصرفة كان في نهاية القرن الثاني وبداية الثالث، وهذه الفترة هي التي نشطت فيها الترجمة كما هو معروف في عهد العباسيين، فقد نشطت الترجمة ونقلت كتب الأفكار والفلسفات والديانات من لغاتها الأصل إلى اللغة العربية، وهذا السبب كفيل لدخول العديد من الأفكار إلى الديار، وما سيتبعه من اعتناق البعض لهذه الأفكار، وبالتالي نشرها والمنافحة عنها وإدخالها في ثقافة الأمة.
(1) - يراد بمصطلح أهل السنة الاسم العام بما يقابل الشيعة، ويراد به كذلك الاسم الخاص الذي يقابل أهل الأهواء والبدع، انظر للمزيد مصطلح أهل السنة، كما بينه ابن تيمية في منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، المحقق: محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة: الأولى، 1406 هـ - 1986 م، (ج 2، ص 217 - ص 221) .