الصفحة 8 من 26

ولا يميل المطراقي، مثله في ذلك مثل المصورين العثمانيين في عصره، إلى مزج الألوان، وإنما هو يحافظ على استقلال كل لون عن الآخر دون امتزاج، ولكن بتماس دقيق، يوضحه بوضع خطوط دقيقة بالأسود تفصل بين المساحات الملونة. ومن ناحية أخرى، فإنه لجأ أحيانا إلى تعميق اللون بتظليله بالأسود، وذلك لايجاد درجة لونية جديدة تميز المبنى عن المباني التي تتقدمه أو تجاوره، وهو ما يمكن أن نلحظه في رسمه معالم المنشأت والدور في بغداد خاصة.

ومن نافلة القول، أن صُحبة المطراقي الدائمة للسلطان سليمان، ووجوده في جيشه، في حِلّه وتِرحاله، فسح له الفرصة ليقضي من الوقت ما يكفي لرسم ما كان ينزل فيه هذا الجيش من مراحل الطريق، وما يمر به من المعالم، كالقرى والقلاع والأنهار والغابات وغيرها، فضلا عن أن إقامته في المدن والقصبات التي كان يقضي فيها الجيش وقتا طويلا نسبيًا، ساعده على إتقان نقله لكثير من التفاصيل الدقيقة من العناصر العمارية والزخرفية التي استهوته.

وتحتل الصورتان اللتان رسمهما مطراقي زاده للجانبين الشرقي والغربي من بغداد، أهمية فائقة بين الرسوم التي رسمها هذا الفنان الكبير لمعالم العراق، البالغة خمسين رسمًا، فهما يمثلان وثيقة فريدة تمثلان ما كانت عليه هذه المدينة في القرن العاشر للهجرة (السادس عشر للميلاد) من أسوار وقصور ومساجد وقباب وبساتين وفضاءات وغيرها [1] ، وإذ نشرنا فيما يلي هاتين الصورتين المهمتين، فإننا أضفنا إليهما دراسة وصفية تناولت التفاصيل الفنية لا سيما الزخرفية، كما علقنا على كل صورة بتعليقات تاريخية موضحة لموضوعها. وذلك على النحو الآتي:

(1) نشرنا جميع هذه الصور مع دراسات تناولت الجوانب التاريخية والأثرية والفنية، في كتاب مستقل بعنوان (العراق كما رسمه المطراقي زاده سنة 951 هـ/1534 م) ، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات 2015.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت