{وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ} : أي يُسقى فيها مِن الصديد الذي يَخْرج من أجسام أهل النار، فـ {يَتَجَرَّعُهُ} : أي يحاول ابتلاع هذا الصديد مرة بعد مرة، {وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ} : أي لا يَستطيع أن يَبتلعه; لقَذارته ومَرارته، {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} أي يأتيه العذاب الشديد من كل نوع، وفي كل عضو مِن جسده، فحينئذٍ يتمنى الموت ليستريح من هذا العذاب {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} ، {وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} يعني: وله مِن بعد هذا العذاب: نوعٌ آخر من العذاب الشديد، الذي لا يُطاق ولا يُحتمَل، (واعلم أنّ لفظ"وراء"يُطلق على ما كان خلفًا وما كان أمامًا، لأنّ كل ما وُورِيَ - أي: استُتِر - فهو وراء) .
الآية 18: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ} يعني إنّ مَثَل الأعمال الحَسَنة التي يفعلها الكفار في الدنيا - كَصِلة الأرحام وإكرام الضيف وفك الأسير - كحال الرماد (الذي يَتبقى بعد احتراق الفحم) ، وهذا الرماد قد {اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ} أي أصابته ريحٌ شديدة {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} فلم تَترك للرماد أثرًا، فكذلك الكفار {لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ} : أي لا يَجدون مِن أعمالهم ما يَنفعهم عند اللهِ تعالى (فقد أذهَبَها الكفر كما أذهَبَت الريحُ الرماد) ، {ذَلِكَ} أي السعي والعمل على غير إيمان {هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} عن الطريق المستقيم.
الآية 19، والآية 20: {أَلَمْ تَرَ} : يعني ألم تعلم أيها الرسول {أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} ؟ أي لم يَخلقهما سبحانه عَبَثًا وباطلًا، بل خلقهما للاستدلال بهما على وحدانيته وكمال قدرته، وليُعلِمَ عباده أنّ الذي خلق السماوات والأرض قادرٌ على أن يُحيى الموتى، وأنّ ذلك أهْوَنُ عليه مِن خَلق السماوات والأرض، {إِنْ يَشَأْ} سبحانه {يُذْهِبْكُمْ} أي يُهلككم أيها المشركون {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} يُطيعونه ولا يُشركون به شيئًا، {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} يعني: وما إهلاككم والإتيان بغيركم بصَعبٍ على اللهِ تعالى أو مُمتنع، بل هو سهلٌ عليه يسير، فإنه سبحانه يقول للشيئ كُن فيكون.
الآية 21: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا} يعني: وخرجتْ الخلائق من قبورها يوم القيامة، وظهروا كلهم للهِ تعالى ليَحكم بينهم، {فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} أي فحينئذٍ يقول الأتباعُ لرؤسائهم المشركين: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} : يعني إنَّا كنَّا لكم أتباعًا في الدنيا نأتمر بأمْركم {فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} يعني: فهل أنتم - اليوم - دافعونَ عنا من عذاب اللهِ شيئًا كما كنتم تَعِدوننا؟، {قَالُوا} أي فيقول لهم الرؤساء: {لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} يعني: لو كان اللهُ هَدانا في الدنيا إلى الإيمان، لأَرشدناكم إليه، ولكنه لم يُوفقنا، فضَلَلْنا وأضللناكم، و {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا} أي أصابنا