الصفحة 15 من 21

الآية 50، والآية 51: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ} : يعني ولو أنك - أيها الرسول - أبْصَرتَ هؤلاء الكفار يوم بدر - وقتَ انتزاع الملائكةِ لأرواحهم - لَرأيتَ أمرًا فظيعًا، إذ {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} أي يَضربونهم مِن أمامهم ومِن خلفِهم، {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} : أي ويقولون لهم: ذوقوا العذاب الشديد المُحرِق.

? وقد اختلف المفسرون في المُراد مِن قوْل الملائكة لهم - وهم في السَكَرات: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) فمنهم مَن قال: (كان مع الملائكة يوم بدر مقامع من حديد، كلما ضربوا المشركين بها، التهبتْ النار في جراحاتهم فتحرق أجسادهم) ، ومنهم مَن قال بأنّ المُراد هو إخبارُهُم بأنهم سيذوقون عذاب الحريق عندما يدخلون جهنم في الآخرة، وهذا كقوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} ، فهو بِشارةٌ لهم من الملائكة بعذابٍ أدهَى وأمَرّ مما هم فيهِ لِيَزدادوا حسرةً، (واعلم أن هذا السِياق، وإن كان قد حدث في غزوة"بدر"، إلاَّ إنه عامٌّ في حق كلِّ كافر وقت السَكَرات) .

? ثم تقول الملائكة لهم: {ذَلِكَ} أي ذلك التعذيب هو {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} : أي بسبب كُفركم وأعمالكم السيئة في حياتكم الدنيا، وليس بظلمٍ مِن اللهِ لكم، لأنّ اللهَ تعالى هو الحَكَمُ العدل، {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} فلا يَظلم سبحانه أحدًا مِن خَلْقه مثقال ذرة، قال تعالى في الحديث القدسي - كما في صحيح مسلم:"يا عبادي إني حرّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُهُ بينكم مُحَرَّمًا فلا تَظَالَموا".

الآية 52: {كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ} : يعني: إنّ شأنَ كفار قريش في تكذيبهم وما نزل بهم من العذاب، هي سُنَّة الله في عقاب الطغاة من الأمم السابقة، كما حدث لآل فرعون {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} فقد {كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ} الواضحة {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} : أي فعاجَلهم اللهُ بالعقوبة بسبب تكذيبهم وعِنادهم {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .

الآية 53، والآية 54: {ذَلِكَ} العذاب الذي أصابَ الأمم الكافرة الظالمة {بِأَنَّ} أي بسبب أنّ {اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً} أي لم يَكُنْ مِن سُنَّتِهِ تعالى في خَلقه أن يكونَ مُغَيِّرًا نعمةً {أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ} ولا أن يَسلبها منهم {حَتَّى يُغَيِّرُوا} هم {مَا بِأَنْفُسِهِمْ} ويكونوا هم البادئين بالتكذيب والظلم، أو الفسوق والفجور، {وَأَنَّ} أي: وذلك العذاب كانَ أيضًا بسبب أنّ {اللَّهَ سَمِيعٌ} لأقوال عباده {عَلِيمٌ} بأفعالهم، فلذلك كان الجزاءُ عادلًا لا ظلمَ فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت