الصفحة 18 من 21

جَمَعَ بين قلوب الأنصار بعدما كانت متنافرة يُعادي بعضهم بعضًا، وتقوم بينهم الحروب لأتفه الأسباب، {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} : يعني لو أنفقتَ - أيها الرسول - مالَ الدنيا لِتجمع قلوبهم، ما استطعتَ إلى ذلك سبيلًا، {وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} بأنْ جَمَعهم على الإيمان فأصبحوا إخوةً مُتحابين، {إِنَّهُ} سبحانه {عَزِيزٌ} أي غالبٌ على أمره، إذا أراد شيئًا، قال له: (كن فيكون) ، {حَكِيمٌ} في فِعله وتدبير أمور خلقه.

الآية 64: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} : يعني إنّ اللهَ كافيك - وكافي الذين معك من المؤمنين - شرَّ أعدائكم.

الآية 65، والآية 66، والآية 67: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ} أي حُثَّ {الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} ، وأخبِرْهم بأنه: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} عند لقاء العدو (لا يَضعُفون ولا يَجبُنون، بل يَثبُتون ويُقاتلون) ، فإنهم {يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} منهم، {وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ} مجاهدة صابرة: {يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، ذلك {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} : أي لأن الكافرين قومٌ لا عِلْمَ لهم - ولا فَهْمَ عندهم - لِمَا أعدَّهُ اللهُ في الجنةِ للمجاهدين في سبيله، فهم يقاتلون فقط من أجل العُلُوّ في الأرض والفساد فيها، فلذلك هم لا يَصبرون على القتال، لأنهم إذا خافوا على حياتهم: تركوا القتال طلبًا للحياة، أما أنتم فتفهمون المقصود من القتال، وهو إعلاء كلمة اللّهِ تعالى وإظهار دينه، وحصول الفوز الأكبر عند اللّه، فلذلك يجب أن تصبروا.

? ولَمَّا شَقَّ على المؤمنين ثبات العشرة أمام المائة، والعشرين أمام المائتين، والمائة أمام الألف، خفّف اللهُ عنهم ذلك الحُكم بقوله: {الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} أيها المؤمنون {وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} أي: وذلك التخفيف بسبب ما يَعلمه سبحانه فيكم مِن الضَعف، {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} من الكافرين، {وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} منهم {بِإِذْنِ اللَّهِ} أي بمعونته، إذ لا نَصْرَ إلاَّ بعَوْنٍ مِن اللهِ تعالى، {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} بتأييده ونصره.

? واعلم أنّ هذه الآية تحمل وعدًا مِن اللهِ تعالى للمؤمنين بأنهم إذا بلغوا هذا العدد المُحَدَّد في الآية، فإنهم سيَغلبون ذلك العدد المُحَدَّد من الكفار (وهو أنّ الواحد من المؤمنين يَغلب اثنين من الكفار) ، بشرط أن يَصبروا ويَثبُتوا أمام الأعداء، وفي هذا تقويةٌ لقلوب المؤمنين، وبشارةٌ لهم بالنصر، إذا حققوا الشروط الإيمانية والمادية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت