الصفحة 19 من 21

? ثم عاتَبَ اللهُ نبيَّه والمسلمين عندما أخذوا الفِداءمن أسْرَى بدر مقابل إطلاق سَراحهم، فقال لهم: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} مِن أعدائه الكفار {حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} : أي حتى يَقتل جميع الأسْرَى، ولا يُبقِي مُشرِكًا في ساحة المعركة، لِيُدخل بذلك الرعب في قلوب المشركين في أنحاء الأرض، لِيَكُفوا عن شَرِّهم وتَضعُف قوَّتهم.

? فما دامَ للمشركين شَرٌّ وقوَّة، فالأوْلَى ألاَّ يُؤسَروا، فإذا بَطُلَ شرُّهم وضَعُفتْ قوَّتهم: جازَ للمسلمين الإبقاء على الأسرى أحياءً، لِيَمُنُّوا عليهم بلا مقابل أو لِيُفادوهم بالمال، {تُرِيدُونَ} يا معشر المسلمين - بأخْذكم الفداء من أسرى بدر - {عَرَضَ الدُّنْيَا} أي المال (لأنه عارِض ويزول فلا يَبقى) ، {وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ} : يعني واللهُ يريد لكم النعيم الباقي في الآخرة إذا أظهرتم دينه، {وَاللَّهُ عَزِيزٌ} يَنصر مَن توكل عليه، {حَكِيمٌ} في شرعه وتدبيره، فاطلبوا أيها المؤمنون رضاهُ بتَرْكَ ما تريده أنفسكم لِمَا يريده سبحانه.

? واعلم أنّ هذا العتاب لم يَشمل عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ رضي الله عنهما، لأنهما كانا يريدان قتل الأسرَى وعدم أخْذ الفداء منهم.

الآية 68، والآية 69: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} : يعني لولا ما كَتبه اللهُ وقدَّره بإباحة الغنائم وفِداء الأسرى لهذه الأُمَّة: {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} : أي لَأصابكم عذابٌ عظيم بسبب أخْذِكم الفداء قبل أن ينزل بشأنِهِ تشريع.

? ثم أذِنَ اللهُ تعالى لأهل بدر أن يأكلوا من الغنائم وفداء الأسرى، فقال لهم: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} {وَاتَّقُوا اللَّهَ} بالمحافظة على أحكام دينه وتشريعاته {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} حيثُ غفر لكم ما وقع منكم، {رَحِيمٌ} بكم، حيثُ أباحَ لكم الغنائم وجعلها حلالًا طيبًا، وفي الحديث الصحيح: (لعلَّ اللهَ قد اطَّلعَ على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غُفِرَ لكم) .

الآية 70: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} - الذين دفعوا المال فِداءً لهم من الأسر: لا تحزنوا على الفداء الذي أُخِذَ منكم، لأنه {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا} أي إيمانًا صادقًا وإسلامًا حقيقيًا: {يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ} من المال، بأن يُيَسِّر لكم من فضله خيرًا كثيرًا {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ذنوبكم، {وَاللَّهُ غَفُورٌ} لذنوب عباده التائبين، {رَحِيمٌ} بهم حيثُ قَبِلَ توبتهم وأعانهم على الثَبات عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت