? واعلم أنّ هذه الآية قد نزلتْ في العباس - عم رسول الله صلى الله عليه وسلم -، وذلك لأنه بعد أنْ وقع في الأسْر، أسلَمَ وأظهَر إسلامه، ثم طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يَرُدَّ عليه ما أُخِذَ منه مِن فدية، فرفض الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك، فأنزَلَ اللهُ هذه الآية، وأوْفَى بوعده للعباس رضي الله عنه، ففي صحيح مسلم أنه لَمَّا قَدِمَ على النبي صلى الله عليه وسلم مالٌ من البحرين، قال له العباس: (إني فادَيْتُ نفسي - أي مِن الأسر - وفادَيْتُ عُقَيْلًا) ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (خُذ) ، فبَسَطَ العباس ثوبه وأخذ ما استطاع أن يَحمله، وقال: (هذا خيرٌ مما أُخِذَ مِنِّي، وأنا أرجو أن يَغفر اللهُ لي) .
الآية 71: {وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ} : يعني وإن يُرِدْ هؤلاء - الذين أَطْلَقْتَ سَراحهم - أن يَخونوك، بأن يُظهروا إسلامهم لك، ثم إذا عادوا إلى ديارهم، عادوا إلى كُفرهم، فلا تهتم بهم ولا تخَف مِن كَيدهم {فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ} أي مِن قبل وقوعهم في الأسر، وذلك بكُفرهم في مكة ومحاربتك {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} المؤمنين، وجعلهم في قبضتهم، فقتلوهم وأسَرُوهم، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} بنِيَّات هؤلاء الأسرى، {حَكِيمٌ} فيما يَحكمُ به عليهم، ألاَ فلْيَتقوه سبحانه، ولْيَصدقوا في إسلامهم، فإنّ ذلك خيرٌ لهم.
الآية 72: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا} من دار الكُفر إلى دار الإسلام - أو إلى بلدٍ يتمكنون فيه من عبادة ربهم - {وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي مِن أجل أن يُعبَدَ اللهُ وحده ولا يُعبَد معه غيره، {وَالَّذِينَ آَوَوْا} : يعني وكذلك الأنصار الذين أنزَلوا الرسول والمهاجرين في ديارهم، وأعطوهم مِن أموالهم، {وَنَصَرُوا} دينَ اللهِ تعالى {أُولَئِكَ} - أي المهاجرون والأنصار - {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} : أي بعضهم نُصَراءُ بعض.
? فهذا هو الصِنف الأول من المؤمنين - وهم المهاجرون والأنصار - أكْمَلُ المؤمنينَ وأعلاهم درجة، وأما الصِنف الثاني من المؤمنين فهو المذكور في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا} أي باللهِ ورسوله والدار الآخرة، ولكنهم رَضُوا بالبقاء بين الكافرين {وَلَمْ يُهَاجِرُوا} من دار الكُفر ويَلتحقوا بالمسلمين في"المدينة"، فهؤلاء {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} : يعني لستم مُكَلَّفين بحمايتهم ونُصرَتهم {حَتَّى يُهَاجِرُوا} ، {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ} : يعني وإن قوتِلوا وظُلِموا مِن أجل دينهم فطلبوا نُصْرَتكم: {فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} : أي فعليكم نَصْرَهم والقتال معهم، (أمّا إن قوتِلوا بسبب أمْرٍ من الأمور الدُنيوية، فليس عليكم نَصْرهم طالما أنهم لم يهاجروا) .