-من الآية 38 إلى الآية 41: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا} أي يَدفع سبحانه عنهم اعتداء الكفار وكيد الأشرار، فقد ثَبَتَ في قراءةٍ أخرى: {إِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا} {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ} أي كثير الخيانة لأمانته وعهوده، {كَفُورٍ} أي جَحودٌ بتوحيد ربه، وجحودٌ لنعمه عليه.
? وقد كان المسلمون في أول الأمر ممنوعين من قتال الكفار، مأمورين بالصبر على أذاهم، فلمَّا اشتد إيذاء المشركين لهم، وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وأصبح للإسلام قوة: أَذِنَ الله للمسلمين في القتال؛ بسبب الظلم الذي وقع عليهم في أنفسهم وأموالهم وديارهم، كما قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} (ولذلك أَذِنَ الله لهم في القتال) ، ثم طمأنهم سبحانه بقوله: {وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} أي قادرٌ على نَصرهم وإذلال عدوِّهم.
? ثم أخبر سبحانه عن سبب نَصْره لهؤلاء المهاجرين فقال: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ} : أي أخرجهم الكفار ظلمًا من ديارهم، مع أنهم لم يفعلوا شيئًا {إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} : يعني إلا إنهم أسلموا وقالوا: (ربنا الله وحده، ولن نُشرك به شيئًا في عبادته) ، {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} يعني ولولا ما شَرَعه الله مِن دَفْع الظلم والباطل بالقتال: لَهُزِمَ الحقُّ في كل أُمَّة، ولَخُرِّبَت الأرض، و {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} وهي مَعابد الرُهبان {وَبِيَعٌ} وهي كنائس النصارى {وَصَلَوَاتٌ} وهي مَعابد اليهود (باللغة العِبرية) ، {وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} أي: وكذلك ستتهدم مساجد المسلمين التي يَذكرون الله فيها كثيرًا، (وفي الآية دليل على أنه لا يَجوز لنا هَدْم مَعابد اليهود والنصارى) ، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} يعني: ومَن اجتهد في نُصرة دين الله وعباده المؤمنين، فإنّ الله ناصره على عَدُوِّه، {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ} لا يَغلَبه أحد، {عَزِيزٌ} لا يَمنعه شيءٌ مِمّا يريد.
? وهؤلاء - الذين وعدناهم بنصرنا - هم {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ} يعني إذا مَكَنَّا لهم في البلاد ونصرناهم على عدوِّهم: {أَقَامُوا الصَّلَاةَ} أي أدَّوها في أوقاتها (بشروطها وأركانها وواجباتها وخشوعها) ، {وَآَتَوُا الزَّكَاةَ} أي أخرَجوا زكاة أموالهم إلى مُستحقيها، {وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ} وهو كل ما أمَرَ الله به مِن حقوقه وحقوق عباده، (وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة) ، {وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} (وهو كل ما نَهَى الله عنه ورسوله، بشرط ألاَّ يَتسبب النَهي عن المُنكَر في حدوث مُنكَر أكبر منه) ، {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} أي: وللهِ وحده يَرجع مَصير الخلائق يوم القيامة، فيُجازي كُلاًّ بما عمل، (إذًا فاتقوا اللهَ تعالى وراقِبوه في السر والعَلَن، وتوبوا إليه، وتوكلوا عليه، فإنّ الأمر كله في يديه) .
-الآية 42، والآية 43، والآية 44: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ} يعني: وإذا كَذَّبك قومك - أيها الرسول - فلا تحزن {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ} {وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ} {وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ} (وهم الذين كَذَّبوا شُعَيبًا عليه السلام) ، {وَكُذِّبَ مُوسَى} (أي كَذَّب فرعون وقومه موسى عليه السلام) ، فهؤلاء الأقوام قد كَذَّبوا رُسُلهم، ولكنّ رُسُلهم صبروا على تكذيبهم وإيذائهم {فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ} يعني: فلم أُعاجِل هؤلاء الكافرين بالعقوبة، بل أمْهلتهم {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} بالعذاب، {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي: فكيف كان إنكاري على كُفرهم وتكذيبهم؟ (والاستفهام للتقرير) أي كان إنكاري عليهم عظيمًا بالعذاب والهلاك، (وفي الآية تصبير للرسول صلى الله عليه وسلم على ما يَلقاهُ من أنواع التكذيب والعِناد