الصفحة 13 من 15

(ومِن ذلك عِلمُه بوساوس الشيطان) ، {حَكِيمٌ} في كل أفعاله (وهذه سُنَّتِه في أنبيائه ورُسُله، ليَتميّز المؤمنون مِن غيرهم) .

? وقد كان هذا الفِعل مِنَ الشيطان {لِيَجْعَلَ} اللهُ {مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} من الوساوس والشكوك {فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} أي في قلوبهم شك ونفاق (وهم المنافقون وضِعاف الإيمان) {وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} (وهم المشركين الذين لا تؤثِّرُ فيهم المواعظ) ، (واعلم أنّ الفتنة المذكورة في قوله تعالى: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً} هي الزيادة في الكفر والضلال والبعد عن الحق) ، {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ} جميعًا {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي في عداوة شديدة لله ورسوله، ومُخالَفة بعيدة عن الحق والصواب.

{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} أي: ولكي يَعلم أهل العلم - الذين يُفَرِّقون بعِلمهم بين الحق والباطل - أن القرآن الكريم هو الحق النازل من عند الله تعالى، لا شك فيه، ولا سبيلَ للشيطان إليه، {فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} أي فيزداد إيمانهم بالقرآن، وتخشع له قلوبهم وتطمئن، {وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي سوف يُوَفِّقهم سبحانه إلى الثبات على الإسلام، ليُنقذهم به من النار، (وذلك بحمايتهم من الشيطان، وإعانتهم على طاعة الرحمن) .

-الآية 55، والآية 56، والآية 57: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ} أي لا يَزالون في شَكٍّ من القرآن، ويَظَلُّونَ على ذلك {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً} : أي حتى تأتيهم القيامة فجأةً، وهُم على تكذيبهم، {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} أي عذابُ يومٍ لا خيرَ فيه، وهو يوم بدر - على الراجح - حينَ هَزَمهم المسلمون وقتلوا زعماءهم، وأسَرُوا كثيرًا منهم.

{الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ} أي يوم القيامة {لِلَّهِ} وحده {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} أي يَقضي بين المؤمنين والكافرين: {فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} يُدخِلهم سبحانه {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا} الواضحة: {فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} أي لهم عذابٌ يُذِلُّهم ويُهِينهم في جهنم (فهو عذابٌ للجسد والنفس معًا) (نسأل الله العافية) .

-الآية 58، والآية 59: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي خَرَجوا من ديارهم طلبًا لرضا ربهم ونُصرة دينه {ثُمَّ قُتِلُوا} أي قتلهم المشركون، {أَوْ مَاتُوا} مَوتةً (طبيعية) بانتهاء آجالهم أثناء الهجرة: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا} (إذ تكون أرواحهم بعد موتهم في أجواف طيرٍ خُضر تأكل من الجنة حيث شاءت) ، {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} أي هو سبحانه خير مَن أعطى، و {لَيُدْخِلَنَّهُمْ} يوم القيامة {مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ} وهو الجنة، {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ} بمَن يَخرج في سبيله، ومَن يَخرج طلبًا للدنيا، {حَلِيمٌ} بمن عصاه، فلا يعاجله بالعقوبة.

-الآية 60: {ذَلِكَ} أي ذلك الذي قصصناه عليك، {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} يعني: ومَن اعتُدِيَ عليه وظُلِم، فقد أُذِن له أن يَرُدّ الاعتداء بمِثله، {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ} يعني: فإذا عاد المعتدي إلى إيذاء المظلوم: {لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} أي فإنّ الله سيَنصر المظلوم، {إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} أي يعفو عن الذين يعفون عن الناس، ويَغفر ذنوبهم (وفي هذا إشارة إلى ترغيب المؤمن في العفو عن أخيه إذا ظَلَمه، فإنّ العفو خيرٌ له من المُعاقَبة، وهذا كقوله تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) .

-الآية 61: {ذَلِكَ) أي ذلك النصر على المظلوم كائنٌ لا مَحالة بِأَنَّ اللَّهَ} أي بسبب أنّ اللهَ قادرٌ على ما يشاء، ومِن قدرته أنه {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} أي يُدخِل ما يَنقص من ساعات الليل في ساعات النهار، {وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} أي يُدخِل ما نَقَصَ من ساعات النهار في ساعات الليل، فيَطولُ هذا ويَقصُر ذاك، {وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} لكل صوت، {بَصِيرٌ} بكل فِعل، لا يَخفى عليه شيء، (فلذلك يَنصر سبحانه مَن يَعلم أنه يَستحق النصر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت