الباطلة، بل نَحتقرهم ونُذِلّهم (، عِلمًا بأنّ الكفار سيُحاسَبون وإنْ لم تُوزَن أعمالهم، لقوله تعالى:(فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ) ، فمُحاسبَتهم لإظهار العدالة الإلهية، لا لأنّ لهم أعمالًا صالحة يُجزَونَ بها).
?وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح البخاري: (إنه لَيُؤتَى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يَزن عند اللهِ جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا إن شئتم: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} ) .
{ذَلِكَ} أي أولئك المُحتَقَرون الذليلون {جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ} {بِمَا كَفَرُوا} أي بسبب أنهم كفروا بوحدانية اللهِ تعالى {وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا} ، يعني وبسبب أنهم سخروا واستهزؤوا بآيات الله وحُجَجه ورُسُله، فلذلك كان الحُكم عادلًا، والجزاء مُوافِقًا.
?ويُلاحَظ أنه تعالى أطلَقَ عليهم لفظ: (ذلك) بدلًا من: (أولئك) ، لأنهم بكُفرهم وحبوط أعمالهم أصبحوا لا خيرَ فيهم، ولا وزنَ لهم، فحينئذٍ يُستحسَن أن يُشار إليهم بـ"ذلك"، (أي ذلك المذكور مِن سَفَلة الخَلق) ، واللهُ أعلم.
الآية 107، والآية 108: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا} باللهِ ورسوله، وبكل ما أخبر به رسوله من الغيب {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} على النحو الذي شَرَعَه اللهُ تعالى، فأدَّوا الفرائض والواجبات، وسارَعوا في النوافل والخيرات، أولئك {كَانَتْ لَهُمْ} - في عِلم اللهِ وحُكمه: {جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} أي لهم أعلى درجات الجنة وأفضلها منزلًا (وهي الفردوس الأعلى) ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح البخاري: (فإذا سألتم اللهَ فسَلُوهُ الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عَرش الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهار الجنة) .
?وحتى نَفهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة) : فإننا سوف نتخيل أن الجنة عبارة عن صندوق ضخم، فبالتالي تكون الفردوس في منتصف هذا الصندوق ولكنْ في أعلى نقطة فيه، فبذلك تكون أعلى الجنة وأوسط الجنة)، (واعلم أنّ النُزُل هو ما يُعَدّ للضيف مِن إكرامٍ وإنعام) .
{خَالِدِينَ فِيهَا} - أي في هذه الجنة - {لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} ، أي لا يريدون تحوُّلًا عنها؛ لأنّ نعيمها لا يُمَلّ منه، وصَفْوها لا يُكَدَّر، وسعادتها لا تنقص ولا تُنَغَّض بموتٍ ولا مرض ولا هَم ولا حزن ولا تعب (جعلنا اللهُ مِن أهلها ومَن قال آمين) .
الآية 109: {قُلْ} - أيها الرسول:- {لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي} : يعني لو كان البحر حِبرًا يُكتَب به الكلمات الإلهية التي تحمل العلوم والمعارف: {لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} ، {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} : يعني ولو جئنا بمِثل البحر بحارًا أخرى مَدَدًا له، (وفي الآية إثبات صفة الكلام للهِ تعالى حقيقةً كما يَليق بجلاله وكماله) .
?وقد تضمنت هذه الآية ردًّا على اليهود الذين قالوا: (أوتينا التوراة، وفيها عِلم كل شيء) ، فأنزل اللهُ تعالى هذه الآية ردًّا عليهم وإبطالًا لمَزاعمهم، وأخبَرهم أنّ عِلمه سبحانه لا يَنتهي، وأنهم لم يُعطَوا من العلم إلا قليلًا.