الصفحة 7 من 22

?وقد كانوا جائعينَ فقالوا: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ} : يعني أرسِلوا أحدكم بنقودكم الفضية هذه إلى مَدِينتنا، {فَلْيَنْظُرْ} : {أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} : يعني أيَّ أهْل المدينة طعامه حلالًا طيبًا {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} لتأكلوه سَدًّا لجُوعكم {وَلْيَتَلَطَّفْ} في ذهابه وعودته وشرائه مع البائع حتى لا يَنكشف أمْرنا، {وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} يعني: ولا يَفعل فِعلًا يؤدى إلى مَعرفة أحدٍ من قومكم بوجودكم في الكهف، فـ {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} يعني إن يَروكم: {يَرْجُمُوكُمْ} بالحجارة، فيقتلوكم {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} : يعني أو يُرجعوكم إلى دينهم، فتَصيروا مُشرِكينَ مِثلهم {وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} : أي ولن تفوزوا أبدًا بدخول الجنة والنجاة من النار، إن أطعتموهم فأشركتم بربكم.

الآية 21: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} أي جعلنا أهل ذلك الزمان يَعثرون عليهم (وذلك بعد أن كَشَفَ البائع نوع الدراهم القديمة التي جاء بها مَبعوثهم) ، وقد جعلنا الناس يَعثرونَ عليهم {لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ} بالبعث {حَقٌّ} لأنّ الذي أنامهم كل هذه المدة ثم أيقظهم، قادرٌ سبحانه على أن يَبعثهم بعد موتهم، ليُحاسبهم ويُجازيهم بأعمالهم، {وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا} يعني: ولِيَعلم الناس أنّ الساعة التي تقوم فيها القيامة آتيةٌ لا شك فيها، {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} : يعني إنهم عَثَروا عليهم في وقتٍ كان أهل البلد يَختلفون في أمْر القيامة: (فمِنهم مَن كانَ مؤمنًا بها، ومنهم مَن كانَ مُنْكِرًا لها) ، فلمَّا اطَّلعوا جميعًا على أصحاب الكهف، جَعَلَ اللهُ اطّْلاعهم حُجَّةً للمؤمنين على الكافرين في قدرة اللهِ على البَعث والإحياء، وعلى أنّ البعث يكونُ بالأجسام والأرواح معًا وليس بالأرواح فقط.

?وبعد أن انكشف أمْرهم: ماتوا {فَقَالُوا} أي فقال فريقٌ من المُطَّلِعينَ عليهم: {ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا} : أي ابنوا على باب الكهف بناءً يَحجبهم عن الناس، واتركوهم وشأنهم، فـ {رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} : أي ربهم أعلم بحالهم، و {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} وهُم أصحاب الكلمة والنفوذ - الذين يُعرَفون بـ (الحكومة) : {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} : أي لَنَتّخِذنَّ على مكانهم مَسجدًا للعبادة، (وقد نَهَى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مَساجد، ولَعَنَ مَن فَعَلَ ذلك، لأنّ هذا قد يؤدي إلى عبادة مَن فيها) .

الآية 22: {سَيَقُولُونَ} أي سيقول بعض أهل الكتاب - الذين اختلفوا في عدد أصحاب الكهف: هم {ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} {وَيَقُولُونَ} أي: ويقول فريقٌ آخر منهم: هم {خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} ، وكلامُ الفريقين كانَ {رَجْمًا بِالْغَيْبِ} أي رَمْيًا بالكلام من غير تثبّت، وظنًا مِن غير دليل، (فدَلَّ ذلك على بُطلان القولين السابقين) {وَيَقُولُونَ} أي: وتقول جماعة ثالثة: هم {سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} (وهذا هو الصواب - واللهُ أعلم - لأنّ اللهَ تعالى قد أبطل القولين السابقين، ولم يُبطِل القول الثالث، فدَلَّ ذلك على صحته) .

?ولمّا كان هذا من الاختلاف الذي لا فائدة منه، وليس فيه مصلحة للناس (دينية أو دنيوية) ، قال تعالى بعدها: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ} أي ربي هو الأعلم بعددهم، و {مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} : أي ما يَعلم عددهم إلا قليلٌ من الناس {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} : أي فلا تُجادل أهل الكتاب في عددهم إلا جدالًا ظاهرًا لا عُمقَ فيه (وذلك بأنْ تَذكر لهم ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت