?ثم بعد أن خرجوا مِن عند هذا المَلِك، قال بعضهم لبعض - وهم يَتناصحونَ ويَتشاورون: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} يعني: بما أنكم فارَقتم قومكم بدينكم، وتركتم ما يَعبدونَ من دون الله، لم يَبقَ لكم إلا النجاة مِن شَرِّهم، إذًا {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ} : أي الجؤوا إلى الكهف الذي في الجبل لعبادة ربكم وحده، وهَرَبًا من أعدائكم المُشرِكين، فحينئذٍ {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ} أي يُنَزِّل عليكم ربكم مِن رحمته ما يُنَجِّيكم به مِمّا فررتم منه {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا} أي: ويُيَسِّر لكم أمورًا - من أسباب العيش - تنتفعونَ بها في مأواكم الجديد، (فلمَّا قالوا ذلك، وذهبوا إلى الكهف: ألقى اللهُ عليهم النوم وحَفِظهم) .
{وَتَرَى الشَّمْسَ} يعني: وإذا نظرتَ إليهم - أيها الرسول - لَرأيتَ الشمسَ {إِذَا طَلَعَتْ} من المَشرق {تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ} : أي تميل وتَتَنَحَّى عن مكانهم إلى جهة اليمين فلا تصيبهم، {وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} أي تتجاوز عنهم إلى جهة اليسار، {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ} يعني: وقد أنامهم اللهُ في مُتَسَّع من الكهف حتى لا يَنقطع عنهم الهواء، {ذَلِكَ} الذي فعلناه بهؤلاء الشباب - مِن حِفظهم من حرارة الشمس، وعدم نفاد الهواء عنهم - هو {مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ} أي من دلائل قدرة اللهِ تعالى، ورحمته ولُطفه بأوليائه.
{مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ} يعني: مَن يُوَفِّقه اللهُ للاهتداء بآياته، فهو المُوَفَّق إلى الحق، {وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} يعني: ومَن لم يُوَفِّقه لذلك، فلن تجد له مُعينًا يُرشده لإصابة الحق؛ لأنّ التوفيق والخِذْلان بيد اللهِ وحده، (إذًا فليَطلب العبد من ربه الهداية والثبات، وليَعتصم به من الزَيغ والضَلال) .
الآية 18: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا} يعني: وإذا نظرتَ إليهم - أيها الرسول - لَظننتَ أنهم مستيقظين (لأنّ أعْينهم كانت مُفَتَّحة) {وَهُمْ} في الحقيقة {رُقُودٌ} أي نائمونَ لا يشعرونَ بأحد، {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} أي نُقَلِّبهم أثناء نومهم مَرّة للجَنب الأيمن ومَرَّة للجَنب الأيسر، حتى لا تأكلهم الأرض، {وَكَلْبُهُمْ} - الذي أخذوه معهم لحِراستهم - {بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} أي قد مَدَّ ذراعيه بفناء الكهف (لأنه أصابه من النوم ما أصابهم وقت حِراسته) ، {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا} يعني: لو شاهدتهم وهم نائمونَ وأعينهم مُفَتَّحة: لَرجعتَ فارًّا منهم {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} (لأنّ اللهَ قد ألقى الخوف والفزع على مَن يَراهم، حتى لا يدخل عليهم) .
الآية 19، والآية 20: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ} يعني: وكما أنمناهم وحفظناهم هذه المدة الطويلة، فكذلك أيقظناهم مِن نومهم على هيئتهم دونَ تغيُّر، وذلك {لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ} : يعني لكي يَسأل بعضهم بعضًا، فيَزدادوا إيمانًا باللهِ تعالى، ويَتيقنوا بحمايته لأوليائه، فـ {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ} : {كَمْ لَبِثْتُمْ} : يعني كم من الوقت بقينا نائمين هنا؟ {قَالُوا} أي قال بعضهم: {لَبِثْنَا} أي مَكَثنا {يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} ، {قَالُوا} أي قال آخرونَ قد اختلط عليهم الأمر: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} : أي رَبُّكم أعلم بالوقت الذي مَكَثتموه هنا، ففَوِّضوا ذلك الأمر إليه.